الاقتصاد السوري: الخروج من الازمة


الاقتصاد السوري بين الأزمات المحلية والاقليمية والدولية.

في ندوة الثلاثاء بتاريخ 11 تموز الماضي, قدمت محاضرة بعنوان: الاقتصاد السوري بين الأزمات المحلية والاقليمية والدولية. وقد تناولت هذا الموضوع من خلال محورين:

المحور الأول: التطورات الاقليمية والدولية الأخيرة.

والمحور الثاني: الاقتصاد السوري وأزماته ، وكيف يمكن مواجهتها.

المحاضرة موجودة على موقع الجمعية

استعرضت على نحو سريع الأزمات التي تعصف بالاقتصاد العالمي وتداعياتها على مختلف البلدان ، وركزت على نحو سريع على أزمة جائحة كوفيد 19 وتداعياتها، وعلى الحرب في اوكرانيا التي هي في الحقيقة حرب روسيا والغرب. وما أحدثته الجائحة والحرب من تداعيات أصابت الأمن الغذائي وأمن الطاقة وولدت التضخم والخلل في سلاسل امداد المواد الغذائية والمحروقات.

ولعل من أهم التطورات العالمية بروز مشكلة تايوان وتأزيم العلاقات الصينية – الأمريكية، بعد انتشار ما دعته الصين (الأنشطة الانفصالية) في تايوان بتشجيع من الولايات المتحدة . وزاد من حدة التوتر توحيد جهود روسيا والصين في سبيل إقامة نظام دولي جديد متعدد الأقطاب يقوم على أساس العدل والمساواة بين دول وشعوب العالم بدلاً من النظام الحالي الأحادي الذي فرضته الولايات المتحدة على العالم

وقد جاء الرد الأمريكي (الغربي) على تلك الجهود من خلال الوثيقة الجديدة لحلف الناتو التي تعلن فيها عن مفهومها الاستراتيجي (تموز 2020) وتحدد كيفية تعامل الحلف مع التهديدات والتحديات للسنوات القادمة. وقد أصبح الهدف الاستراتيجي هو الحيلولة دون نجاح روسيا والصين في تعميق شراكتهما الاستراتيجية، وأصبح الهدف من حرب اوكرانيا اضعاف روسيا وإبعادها عن تحقيق الشراكة الاستراتيجية مع الصين، وهذا ما يفسر الاستفزاز الأمريكي للصين في مشكلة تايوان التي تستهدف اضعاف الصين والعمل على استمرار عزلها وعدم السماح بتشكيل تحالف استراتيجي بينها وبين روسيا.

ومع احتدام الصراع بين القوى الكبرى مما يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار والاضطراب في العالم، يطرح في محافل دول الجنوب موضوع العودة إلى عصر (باندونغ ) بمعنى العودة إلى روح (مؤتمر باندونغ) الذي عقدته دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية في إندونيسيا ( نيسان 1955)

 في هذه الأجواء تعمل سورية على التخلص من بقايا الارهاب، ومن الاحتلالات الأجنبية، وأن تستعيد وحدة أراضيها وسيادتها ، في الوقت الذي تشهد فيه الساحة العربية تطورات أهمها حدثين:

الأول نجاح وساطة الصين بين المملكة العربية السعودية وايران، في عودة العلاقات الدبلوماسية فيما بينهما.

والثاني اتخاذ القمة العربية في الرياض (منتصف أيار 2023) قراراً بإلغاء قرار تجميد عضوية سورية في جامعة الدول العربية، وإعادتها إلى الجامعة ومؤسساتها ومنظماتها تزامناً مع إعادة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وسورية، وبين سورية وباقي الدول العربية ( عدا قطر والمغرب والكويت).

على الصعيد العربي أيضاً، رغم استمرار احتلال القضية الفلسطينية المركز الأول من الاهتمامات العربية إلا أن نشاطاً لافتاً يدور حول تحقيق التطبيع بين (اسرائيل) والدول العربية. وقد حققت بعض دول الخليج اختراقاً في هذا المجال من خلال اتفاقية (الابراهيمية)، فتحقق نوع من التطبيع مع كل من دولة الإمارات والبحرين، والمغرب وتسعى الولايات المتحدة الآن إلى تطبيع العلاقات بين السعودية واسرائيل ، ضمن صفقات يعمل عليها على نحو حثيث.

في المحور الثاني تحدثت عن الاقتصاد السوري والأزمات، وقدمت مقترحاً حول الخروج من الأزمة التي يعيشها اقتصاد سورية. ولم أتوسع كثيراً من وصف الحالة الاقتصادية . فنحن كمواطنين ومستهلكين نعيش تداعيات تلك الحالة المأساوية التي يمر بها اقتصاد البلاد الخاضع للتقسيم الواقعي على الأرض، بفعل التواجد غير الشرعي للقوات الأجنبية وللعصابات الإرهابية التي تتمتع بحمايات أجنبية ( أمريكية في الجزيرة وشرق الفرات تدعمها قوات تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة ، وتركية في الشمال الغربي، وفي ادلب وبعض مناطق حماة وحلب واللاذقية).

ورغم أننا نعيش وقائع الحالة الكارثية التي وصل إليها الوضع الاقتصادي في سورية فقد استعنت بوثيقتين دوليتين توضحان الأوضاع الاقتصادية في سورية:

الوثيقة الأولى صادرة عن برنامج الأغذية العالمي وفيها تحذيرات بأن ( معدلات الجوع في سورية بلغت مستويات قياسية في ظل انهيار اقتصادي ومالي مزمن ) وقال البرنامج الأممي في بيان ( بعد نحو 12 عاماً من اندلاع "النزاع" لا يعرف 12مليون شخص من أين يأتي وجبته التالية فيما 2.9 مليون شخص معرضون لخطر الانزلاق إلى الجوع، وتسجل سورية اليوم سادس أعلى رقم في العالم من ناحية انعدام الأمن الغذائي ...)

وقد تجلت الأزمة الاقتصادية في جميع المناطق السورية في انهيار متسارع ولسنوات في سعر الصرف مقابل الدولار الأمريكي. والارتفاعات المتوالية والمتسارعة لأسعار المواد والسلع الاستهلاكية الحياتية، هذا إلى جانب الارتفاع في أسعار المشتقات النفطية والكهرباء وانعكاس ذلك على مختلف الخدمات خاصة النقل والانتقال.

الوثيقة الثانية صادرة عن البنك الدولي (منتصف عام 2022) وهي تتحدث عن المسارات التي أدت إلى انخفاض حجم النشاط الاقتصادي إلى النصف وهي مسارات:

  1. مسار الدمار: المتمثل في التسبب في الأضرار بالممتلكات والأصول الاستراتيجية.
  2. مسار النزوح: الذي تسبب في تعميق شيخوخة السكان نتيجة النزوح.
  3. مسار الفوضى الذي تسبب في الأضرار باللحمة المجتمعية وتردي الحوكمة وأدى إلى الانتقام.

وتشير التقديرات أن الاقتصاد السوري فقد خلال سنوات الحرب ثلثي مقوماته، فضلاً عن خسارته لأهم موارده ووصل أغلب السكان إلى تحت خط الفقر. وتراجع الناتج المحلي الاجمالي إلى أقل من 20 مليار دولار (2019) بعد أن كان 60 مليار دولار (2010).

ومع استفحال الفساد وانتشاره وسيطرة المحسوبيات في الإدارة المركزية وطغيان أثرياء الحرب وتشريع العقوبات الاقتصادية يستمر تراجع الاقتصاد السوري كما يستمر تصاعد التضخم المنفلت وتدهور سعر الصرف .

الخلاصة والحل:

خلصت في الورقة المقدمة في المحاضرة إلى أن العامل الاقتصادي مهماً ولا يزال عنصراً أساسياً في الأزمات وفي الحروب، وسيكون كذلك في مرحلة التعافي والمراحل التالية. وإن معدل النجاح في مرحلة التعافي وما بعدها يرتبط بنتائج المراجعة التي يجب أن تجري للسياسات الاقتصادية والاجتماعية في تهيئة الظروف التي تخدم أهداف من يسعى للحرب أو لخلق الأزمة، وبالتالي فإن الضرورة تفرض تحولاً في السياسات الاقتصادية والاجتماعية يتناسب مع الدروس المستخلصة الأمر الذي يحتاج إلى تغيير في التفكير والمسائل المرتبطة بالاقتصاد والتحليل الاقتصادي، فضلاً عن تغيير الوسائل والأدوات. وهكذا فإن حل مشكلتنا الاقتصادية والاجتماعية يتطلب القيام بالخطوات التالية:

  1. إجراء مراجعة موضوعية للسياسات ما قبل الأزمة وخلالها وحتى الآن.
  2. وضع الأساس النظري والإطار العملي للسياسات المقترحة لمرحلة التعافي وما بعدها، واتخاذ خطوات جادة بالابتعاد عن التوجهات الليبرالية التي كانت السبب الأساسي في الأزمة.
  3. السير بثبات نحو الحل السياسي للأزمة السورية وتحقيق الجلاء الشامل للجيوش الأجنبية غير الشرعية ، والقضاء على جميع الفصائل الارهابية، والتحقيق العملي لوحدة التراب السوري (185 ألف كم2 ) ووحدة الشعب السوري (27 مليون نسمة على الأرض).
  4. توطيد ثقة المواطن السوري باقتصاده وعملته الوطنية ومؤسساته..
  5. يجب أن تشمل عملية مراجعة السياسات أولاً القرارات المالية المتعلقة بالضرائب, وخاصة جانبها المتهافت على زيادة الايرادات، وكذلك القرارات الخاصة بالتخلي عن بعض أصول الدولة من مباني وأراضي ومؤسسات تحت عناوين التشاركية وكذلك العقود الخاصة.
  6. مواجهة علمية سريعة وإسعافيه لتدهور الحالة المعيشية ومعالجة حالة عدم تناسب الرواتب والأجور مع تكاليف العيش الكريم.

كيف نواجه مشكلة مسألة الجوع في سورية؟

أجيب باختصار بكلمتين: الارادة والإدارة.

وأقصد بالإرادة وجود قرار سياسي (ضمن خطة) ملزم للجميع. أما الإدارة فهي الحكومة بمؤسساتها المختلفة بأن تكون نزيهة وعلمية وموضوعية تمتلك وتتحكم بمفاصل وتفاصيل المشكلة، وتمتلك القدرة على التخطيط والمتابعة والتنفيذ، ويأتي في السياق الكثير من التفاصيل المتعلقة بقضايا الانتاج الزراعي والصناعي والحرفي والتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، والانتقال من حالة الاقتصاد الريعي إلى حالة الاقتصاد المنتج ويأتي قبل ذلك السير قدماً على طريق الحل السياسي للأزمة.

وقد أثارت هذه المقترحات نقاشات هامة في أواسط الاقتصاديين وفي أواسط المجتمع، مما دعا مجلس إدارة الجمعية إلى الدعوة إلى هذه الحلقة النقاشية بحضور عدد محدود من المهتمين وأصحاب الرأي. وحدد هذا اليوم موعداً لهذه الحلقة.

إلا أن أمراً هاماً جرى حين صدرت يوم الثلاثاء الماضي قرارات على جانب من الأهمية، وهي:

  • صدور مرسوم جمهوري بزيادة الرواتب والأجور بنسبة 100%
  • وبذات الوقت صدر قرارات حكومية بتحديد أسعار المشتقات النفطية وبعض المواد الأساسية بما يوحي بإلغاء الدعم المقدم للمستهلك وللمزارع والصناعي والحرفي، وانعكست هذه القرارات فوراً على أسعار أجور النقل والانتقال وباقي الخدمات فضلاً عن أسعار مختلف المواد التموينية الخاصة بحاجات الأسر المعيشية اليومية.

وأحدث ذلك هزة مجتمعية وصدمة في نفوس مختلف فئات المجتمع وخاصة القسم الأعظم من المجتمع الفقير خاصة أصحاب الدخل المحدود أو اللذين بلا دخل أساساً.

إن تردي الحالة المعيشية لم يعد خافياً على أحد، ثم تأتي القرارات الأخيرة لتزيد حدة الموقف، فيما يبدو أن صمت الحكومة لا يدل إلا على العجز لتقديم الحلول المقنعة. مما زاد من حالات التذمر في الأوساط الشعبية كافة وفي جميع المحافظات وبدا ذلك واضحاً من تعليقات عديدة على وسائل التواصل الاجتماعي ثم في بعض المظاهرات الاجتماعية الصغيرة. إلا أن هذه المظاهرات أخذت طابعاً مختلفاً في السويداء، حيث شهدت المحافظة مظاهرات ترفع شعارات تذكر بشعارات أحداث 2011. كما يخشى انزلاقها إلى فخ (الفتنة).

مع تردي الأوضاع المعيشية، وأمام الصعوبات الاقتصادية تتعاظم تأثيرات العقوبات الاقتصادية التي يفرضها الغرب (برئاسة الولايات المتحدة ) ومع تعنت ومعارضة الولايات المتحدة للانفتاح العربي على سورية ومعارضتها خاصة لعودة العلاقات الطبيعية بين سورية وبين البلدان العربية الأخرى. ومع انسداد أفق الحل السياسي . وتزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية، كيف يمكن مواجهة المشكلة الاقتصادية، مع الأخذ بالاعتبار فقدان الحكومة السورية سيطرتها على موارها الاقتصادية الهامة من النفط والمحاصيل الزراعية، وبالتالي تعرضها لمخاطر حقيقية تمس الأمن الغذائي وأمن الطاقة، فضلاً عن تأثير الأزمات الاقتصادية الدولية المتمثلة في التضخم والخلل في امدادات سلاسل المواد.

وفي المقابل فإن البلاد تتعرض داخلياً لمشكلات ذاتية تتمثل في الضعف الذي أصاب مؤسسات الدولة، وتراجع الخدمات الاجتماعية وانتشار الفساد، وضعف النشاط الاقتصادي بل وتدهوره.

من الصعب بل من المستحيل إعطاء وصفة سريعة للحل. ولكني هنا، طبعاً أتمسك بالحل الذي قدمته في محاضرتي بتاريخ 11 تموز الماضي. إلا أن المطلوب الآن تقدير حلول عاجلة وإسعافيه واستثنائية وفي هذا الإطار ، أرجو أن نخرج من هذه الحلقة بالحلول المطلوبة. وأقترح مناقشة ما يلي:

كحل سريع واستثنائي واسعافي:

  1. الغاء قرارات الغاء الدعم فوراً والعودة بالأسعار إلى ما كانت عليه قبل ذلك ، وتنفيذ مرسوم زيادة الرواتب والأجور مع التفكير في رفع مستوى الرواتب والأجور مرة أخرى.
  2. تقديم سلة غذائية إسعافيه للأسر الفقيرة
  3. الحد على نحو جدي من الفساد في مؤسسات الدولة. وتقديم رؤوس الفساد للمحاكمة. على أن يشمل ذلك تجار الأزمة.
  4. إعادة ثقة المواطن بعملته الوطنية.
  5. الغاء روح فرض الضرائب والأتوات غير القانونية.
  6. الغاء عقود بيع أو استثمار أصول الدولة.
  7. تعزيز السلطة القضائية.

قرارات الحكومة يجب أن تكون ، على نحو واضح، موالية للفقراء وعادلة. وضد الهدر والاسراف في الانفاق غير الضروري.

أخيراً إن من تسبب بهذه الفوضى، لا يستحق أن يعهد إليه تنفيذ المقترحات الجديدة.

بل أن الأمر يحتاج إلى إدارة نزيهة وموضوعية وموثوقة وكفؤة، ومتحررة من نزعة التهافت على زيادة ايرادات الدولة من الضرائب ومن استثمار أو بيع أصول الدولة.

ويأتي بعد ذلك اقرار المقترح الخاص بالسياسات الاقتصادية على النحو الذي أوضحته. والواجب اعتمادها انطلاقاً من تنفيذ نبذ النيوليبرالية والعودة إلى مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستقلة والمعتمدة على الذات، وعلى أن يتم ذلك كله من خلال حوار وطني واسع الطيف ولا يستثني أحداً عدا المرتبطين بأجندات خارجية.