التنمية المحلية
الواقع والآفاق – الفرص والمعوقات – الاحتياجات والمتطلبات:
المحتوى :
- توطئة ومدخل تحليلي.
- تطور مفهوم التنمية المحلية.
- تعريف التنمية المحلية.
- مجالات التنمية المحلية وأهدافها.
- التنمية المحلية في سورية.
توطئة ومدخل تحليلي :
ولد النظام العالمي الجديد إبان الحرب العالمية الثانية، ونتيجة الآثار المأساوية لتلك الحرب على المستوى العسكري و الاقتصادي والاجتماعي والإنساني عموماً، تضافرت الجهود العالمية إلى تبني مفهوم ( السلم الدولي ) الذي يجب على كافة الأمم العمل للحفاظ عليه تجنباً لويلات الصراعات و الحروب .
واعتقد منظرو تلك المرحلة أن السبيل الأمثل لتحقيق ذلك يكمن في قوننة العلاقات الدولية وتنظيمها عبر منظمات وهيئات أممية تطبق فيها ومن خلالها منظومة القيم العليا للنظام العالمي الجديد والمتمثلة في شعارات "العدالة والحرية والمساواة والتكافؤ والديمقراطية" بالإضافة إلى نبذ العنف و الجنوح إلى السلم وحقوق الإنسان والعمل والبيئة ...
بناءاً عليه ولاعتبارات أخرى سياسية واقتصادية تم إنشاء منظمات ومؤسسات وهيئات ومجالس الأمم المتحدة المتعددة من منظمة الأمم المتحدة – الجمعية العمومية للأمم المتحدة – مجلس الأمن الدولي – محكمة العدل الدولية – مجلس حقوق الإنسان – اليونسكو – اليونسف – الإسكوا – اليونيدو – اليو إن دي بي – صندوق النقد الدولي – البنك الدولي لإعادة الإعمار – المؤسسات المالية التابعة – منظمة العمل الدولية – منظمة التجارة العالمية وغيرها الكثير الكثير من المنظمات التي تعنى بالشأن الدولي من حيث تنظيم العلاقات الدولية و حل النزاعات و التنمية ...
لكن لكل منظومة قيمية منظومة معرفية تتحكم بها وتوجهها لاسيما البنى السياسية والثقافية والاجتماعية للأمم . والعالم ثري بتنوعه الثقافي والمعرفي والاثني وحتى السياسي والعلمي وبالتالي نشأ الكثير من التباين في النظرة إلى تلك المنظمات والمؤسسات ودورها.
وكانت الصبغة الأهم لهذه المنظمات هي الصبغة الرسمية والحكومية .ففي الممارسة شاب سلوك هذه المنظمات الكثير من الخضوع لهيمنة الدول الممولة والمسيطرة مما انعكس سلباً على العديد من بلدان العالم وفي الكثير من الاستحقاقات الدولية والإقليمية والمحلية.
ولاعتبارات أخرى كثيرة لجأت الدول المهيمنة إلى استحداث منظمات و هيئات أخرى كانت الصبغة الرئيسة لها صفة غير الحكومية وسميت اصطلاحاً ( NGOs ).Non-Government Organizations.
وكان وراء فكرة هذه المنظمات دافعين رئيسين :
الأول : تفادي الانتقادات المتزايدة لدور المنظمات الدولية الحكومية المختلفة .
الثاني : الفلسفة القائمة على أهمية مساهمة كافة مكونات المجتمعات بالتنمية وتحقيق المعايير القيمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ومن البداهة القول أن المجتمع يتبنى ويتقبل بارتياح ما يساهم به أفراده. بالإضافة إلى مراعاة الخصوصية الجغرافية والديموغرافية .
تنامى دور المنظمات غير الحكومية ولا سيما نتيجة القبول العام على كافة المستويات . وقد تولت هذه المنظمات التأثير بالقوى الناعمة في المجتمعات المستهدفة وقد تعنونت جهودها تحت عنوان كبير يسمى ( التنمية المحلية ) المعتمدة على تفعيل مساهمة القطاع الأهلي في تنمية بلدانها. وأخذ هذا الدور أشكال مختلفة منها المساعدات الفنية والتقنية وكذلك المساعدات المادية والعينية وصولاً إلى تشكيل لوبيات ضغط اجتماعية وسياسية في المجتمعات المستهدفة.
وعلى اعتبار أن هذه المنظمات غير حكومية فقد تعاملت مع مكونات المجتمع الأهلي ولم تتعامل مع الحكومة . وعبر التاريخ كان المجتمع الأهلي عبر أشكاله الأولى ( التجمعات البشرية الأولى ) سباقاً في التنظيم والتعاون لاعتبارات كثيرة كالحماية وتأمين الاحتياجات الفيزيولوجية وغيرها. ومع تطور المجتمعات نشأ مفهوم الدولة. بالتالي المجتمع الأهلي موجود أساساً لكن الجديد كيفية تأطير مكونات وقوى المجتمع الأهلي لمساعدة الحكومات في تحقيق أهدافها في التنمية الشاملة.
لكن الانقسام الأيديولوجي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية بين معسكرين ، شرقي اشتراكي وغربي رأسمالي. وبشكل آخر الدولة المتدخلة والدولة الراعية .
ففي الأنظمة الاشتراكية أخذت الدولة دور المتدخل وتحملت بنفسها كل متطلبات التنمية في مجتمعاتها واقتصر دور المجتمع الأهلي على التطوع الخيري.
أما المجتمعات الرأسمالية فقد تنحت الدولة عن الدور التدخلي ( المباشر ) وتركت للشركات والمؤسسات المالية المختلفة تحقيق التنمية الاقتصادية. وبالحين الذي حققت فيه هذه الشركات قفزات نوعية على المستوى الاقتصادي ( عكس ما عجزت عنه الحكومات الاشتراكية ) إلا أنها لم تكن كذلك على المستوى الاجتماعي والتنمية المستدامة . ومن هنا نشأ مفهوم جديد وهو ( المسؤولية الاجتماعية للشركات ) والذي هدف إلى تفعيل مساهمات هذه القوى الاقتصادية الهامة في التنمية المستدامة على شكل تنمية محلية .
مما تقدم نجد أن منظمات المجتمع الأهلي ( المحلية والدولية ) قامت على فكرة تنظيم القوى الناعمة ضمن المجتمع للمساهمة في التنمية وما اصطلح على تسميته بالتنمية المحلية . ومن أشكال هذه التنظيمات : النقابات – الاتحادات – الأندية – الأحزاب – الجمعيات – المنتديات – المراكز البحثية ودور الخبرة .
تطور مفهوم التنمية المحلية :
لقد أطلق على عملية تنمية المناطق الريفية في عام 1944 مصطلح" تنمية المجتمع"، حيث أكدت سكرتارية اللجنة الاستشارية لتعليم الجماهير في إفريقيا ضرورة الأخذ بتنمية المجتمع، واعتبارها نقطة البداية في السياسات العامة، من جهة أخرى أوصى مؤتمر كامبردج في عام 1948، بضرورة تنمية المجتمع المحلي لتحسين أحواله وظروفه المعيشية ككل اعتمادا على المشاركة الشعبية المحلية لأبناء هذا المجتمع، وفي عام 1954 أوصى مؤتمر "أشردج" الذي عقد لمناقشة المشكلات الإدارية في المستعمرات البريطانية بضرورة تنمية المجتمع المحلي، كما ساهم في تحديد مدلول لها، وعلى مستوى الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، تم التركيز على مفهوم تنمية المجتمع كوسيلة لرفع مستوى المعيشة، وتهيئة أسباب الرقي الاجتماعي المحلي، من خلال مشاركة المجتمع الايجابية ومبادراته الذاتية، علاوة على الجهود الحكومية، وقد تزامن مفهوم تنمية المجتمع مع مفهوم التنمية المحلية الذي ركز على الجانب الاقتصادي وزيادة الإنتاج الزراعي، دون الاهتمام بالجوانب الأخرى كالخدمات الاجتماعية التي تتمثل في التعليم، الصحة والإسكان....الخ، حيث أنه ووفقاً لما أشار إليه البنك الدولي في منتصف السبعينات، كان أكثر من 80% من سكان الريف لا يحصلون على الخدمات الاجتماعية المناسبة، خاصة في هذه المجالات المذكورة، مقارنة بالمدن، نتيجة هذا الوضع برز مفهوم التنمية الريفية المتكاملة الذي عبر عنه تقرير البنك الدولي عام 1975، عندما ذكر أن التنمية الريفية عملية متكاملة أو استراتيجية شاملة تستهدف تطوير الحياة الاقتصادية والاجتماعية لفقراء الريف، وذلك من خلال زيادة الإنتاج الزراعي، وإنشاء صناعات ريفية توفر فرص عمل جيدة وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية والاتصالية والإسكان، ولما كان مفهوم التنمية الريفية المتكاملة يركز على المناطق الريفية، دون ربطها بتنمية المناطق الحضرية، فقد برز بعد ذلك مفهوم التنمية المحلية، حيث أصبحت التنمية هنا تتجه إلى الوحدات المحلية، سواء كانت ريفية أو حضرية، من هنا أصبحت التنمية المحلية تعرف بأنها عملية التغيير التي تتم في إطار سياسة عامة محلية تعبر عن احتياجات الوحدة المحلية ( ريفية، حضرية، صحراوية)،من خلال القيادات المحلية القادرة على استغلال الموارد المحلية، وإقناع المواطنين المحليين بالمشاركة الشعبية، والاستفادة من الدعم المادي والمعنوي الحكومي، وصولا إلى رفع مستوى المعيشة للموطن المحلي، ودمج جميع الوحدات المحلية في الدولة.
تعريف التنمية المحلية :
مفهوم التنمية كغيره من المفاهيم ، تغيرت وتعددت أبعاده ومستوياته، وذلك تبعا لمستجدات الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وقد بدأت التنمية كمفهوم نظري وتطبيق علمي يظهر على مسرح الفكر العالمي بوصفه إدارة أو وسيلة من خلالها تستطيع الدول النامية مواجهة عوامل التخلف والسعي إلى تبني بعض خصائص وسمات المجتمعات المتقدمة، وعلى الرغم من شيوع المصطلح والاهتمام به فان مفهومه لا يزال محاطا بالالتباس لتعدد وتباين الاتجاهات النظرية الخاصة به، حيث اهتم بعض العلماء بالتنمية بناءا على البعد الاقتصادي وفريق آخر ركز على الجانب الاجتماعي وهناك من اعتقد في تحليلاته لهذا المفهوم على البعد الثقافي أو اللغوي.....الخ.
ويتضح من هذا أن مفهوم التنمية نال اهتمام الكثير من علماء الاقتصاد والاجتماع والسياسة والسكان وأصبح ينظر إليه الآن من الناحية الشمولية، خاصة بعد التطورات والتغيرات التي تحصل في المجتمع الدولي، وان التركيز على بعد أو جانب واحد من جوانب التنمية لا يفيد المجتمع بالمعنى الشامل، ذلك لارتباطها بكافة المجالات حيث تعمل على ربط الوسائل بالأهداف.
وقبل الشروع في تحديد مفهوم التنمية المحلية عامة ينبغي التطرق إلى تحديد مفهوم مصطلح المحلية ثم مفهوم التنمية المحلية.
أولا: تحديد مفهوم مصطلح المحلية:
المحلية تعني المجال الترابي الأقرب للسكان أو الإطار الجغرافي الأصغر الذي تعيش فيه جماعة من السكان، هذا الإطار الجغرافي يمكن أن يكون الوحدات المجالية الناتجة عن التقسيم الإداري، كالجماعات المحلية والدوائر والمقاطعات والبلديات والذي يمكن أن لا يعطي اهتماما كبيرا للخصوصيات الجغرافية ( البشرية، الطبيعية)، ويمكن أن يكون عبارة عن المجال المعيشي المرتبط بالهوية الجماعية لساكنيه كالقبيلة والعشرة.
كما يرتبط مفهوم المحلية بمفهوم الإقليم وهذا ما يؤكده رجل الاقتصاد " بيرنار بيكور" حيث يقول:' أن الأقاليم مصطلح مناسب لوصف هذه الفضاءات التي توجد بها تعاونيات، هذه الفضاءات التي يتطور فيها الوعي الجماعي بالوحدة والتماسك'.
ويعتبر بيير تايسرينغ، أستاذ بجامعة" باري- زورد" 'أن الإقليم يجب فهمه على أنه أساس نظام اجتماعي' ومن هذه المقاربة التي تجعل من الإحساس بالانتماء إلى عالم مشترك ومن تقاسم التمثيليات الجماعية من قبل الأفراد المنتمين له والأشخاص الساكنين فيه هي العناصر المميزة للإقليم.
يمكن تعريف "المحلي" حسب رجل الاقتصاد " بيرنارد بيكور" أنه ' فضاء توجد فيه رابطة اجتماعية مكثفة ( علاقات بين الأشخاص، تاريخ مشترك، وممارسات ثقافية مشتركة...) تسمح بإطهار ارادة للتعايش وبالتالي إعداد استراتيجيات جماعية للتنمية' وحسب هذا التعريف يبدو مصطلح الإقليم مصطلحا مناسبا لوصف هذا الفضاء الذي يتطور فيه الوعي الجماعي بالوحدة والتماسك.
ويقصد بالمستوى المحلي " أي مجتمع داخل دولة ما، وهذا المستوى مرن جدا فقد يشمل قرية أو مجموعة من القرى ، مجموعة من المدن أو منطقة...الخ، ما يعني أنه مجال حيوي مرن متنوع الأشكال ولكل خصوصياته.
أما المجتمع المحلي " فهو جماعة من الناس تعيش في بقعة جغرافية معينة وتزاول نشاطات اقتصادية وسياسية ذات مصلحة مشتركة، ولها تنظيم اجتماعي وإداري كما أن لها قيما ومصالح وأهداف متبادلة"، وهذا يدل على أن المجتمع المحلي هو فئة بشرية تقطن إقليم جغرافي معين وتقوم بعدة نشاطات على مختلف المستويات تحت نظام اجتماعي وإداري موحد وتحكمهم مبادئ وأهداف مشتركة وكمثال على هذه المجتمعات القرية...الخ.
ثانيا: تعريف التنمية المحلية:
في البداية وقبل التطرق إلى التنمية المحلية بمختلف جوانبها يجب الإشارة إلى مفهوم التنمية وماذا نعني بها، والتي يمكن تعريفها كما يلي:
" أنها عملية تسمح بالانتقال من حالة التخلف إلى التقدم محدثة بذلك تغييرات جذرية وهيكلية في البنيان والهيكل الاقتصادي، فهي تمثل دخول الاقتصاد القومي مرحلة النمو الذاتي ".
كما تعرف" أنها العملية التي يحدث من خلالها تغيير شامل ومتواصل مصحوب بزيادة في متوسط الدخل الحقيقي وتحسن في توزيع الدخل لصالح الطبقة الفقيرة وتحسن في نوعية الحياة وتغيير هيكلي في الإنتاج".
من خلال هذا التعريف يتضح لنا بأن التنمية تمس جميع الجوانب الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية ...الخ، ومن هذا المنطلق فإن التنمية هي عملية تحديث وتطوير للمجتمع، حيث تسمح بزيادة مستمرة في متوسط الدخل الحقيقي لفترة طويلة من الزمن، أي أن التنمية تكون لفترة طويلة وتسمح بتوزيع عادل للدخل لصالح الطبقة الفقيرة للتخفيف من حدة الفقر والقضاء على الطبقية في المجتمع.
تشكل التنمية المحلية ركيزة من الركائز الأساسية للتنمية إذ تستهدف تحقيق التوازن التنموي بين مختلف المناطق وفي مقدمة مهامها تنفيذ مشروعات البني الأساسية ضمن النطاق المحلي، إلى جانب دورها المؤثر في تفعيل الاستثمارات المحلية وخلق فرص العمل والمشروعات الصغيرة المدرة للدخل، فإذا كانت جهود الدولة تمثل عاملا مهما لتحقيق التنمية المحلية فان الجهود الذاتية من خلال المنتجين المحليين والمشاركة للمواطنين لا تقل أهمية عن ذلك.
ونظرا لأهمية موضوع التنمية المحلية فقد حظيت باهتمام الباحثين حيث كانت هناك عدة محاولات لتعريفها نذكر منها:
- " هي مفهوم حديث لأسلوب العمل الاجتماعي والاقتصادي في مناطق محددة يقوم على أسس وقواعد من مناهج العلوم الاجتماعية والاقتصادية، وهذا الأسلوب يقوم على إحداث تغير حضاري في طريقة التفكير والعمل والحياة عن طريق إثارة وعي البيئة المحلية جميعا في كل المستويات عمليا وإداريا". محي الدين صابر
- " التنمية المحلية هي تلك العمليات التي توحد جهود الأهالي والسلطات الحكومية لتحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمعات المحلية وتحقيق تكامل هذه المجتمعات في إطار حياة الأمة ومساعدتها على المساهمة التامة في التقدم القومي، وتقوم هذه العمليات على عاملين أساسين هما مساهمة الأهالي أنفسهم في الجهود المبذولة لتحسين مستوى معيشتهم، وكذا توفير ما يلزم من الخدمات الفنية وغيرها بطريقة من شانها تشجيع المبادرة والمساعدة الذاتية والمتبادلة بين عناصر المجتمع وجعل هذه العناصر أكثر فعالية ". الدكتور فاروق زكي.
- " ما هي إلا نشاط منظم لغرض تحسين الأحوال المعيشية في المجتمع وتنمية قدراته على تحقيق التكامل الاجتماعي والتوجيه الذاتي لشؤونه، ويقوم أسلوب العمل في الحقل على
كما تعرف بأنها حركة تهدف إلى تحسين الأحوال المعيشية للمجتمع في مجمله على أساس المشاركة الإيجابية لهذا المجتمع وبناء على مبادرة المجتمع إن أمكن ذلك، فإذا لم تظهر المبادرة تلقائيا تكون الاستعانة بالوسائل المنهجية لبعثها واستثارتها بطريقة تضمن لنا استجابة حماسية فعالة لهذه الحركة.
وهي بالتالي العملية التي بواسطتها يمكن تحقيق التعاون الفعال بين جهود المواطنين والسلطات العمومية للارتفاع بمستويات التجمعات المحلية والوحدات المحلية اقتصادياً، اجتماعياً، ثقافياً وحضارياً من منظور تحسين نوعية الحياة في منظومة شاملة ومتكاملة.
ويقصد بها أيضا سياسة التجهيز والاستثمار لصالح الجماعات المحلية، ويفترض فيها أنها نهج برنامج منسجم لأمد قصير ومتوسط وبعيد، وهو برنامج قائم على أساس إحصاء الجماعات الواجب ترقيتها، وتعيين الأعمال الواجب الشروع فيها والتي تكتسي أهميتها والفائدة منها اهتماماً حقيقياً بالنظر إلى الاحتياجات الأكثر إلحاحاً للقطاعات المعينة، وكذا تعبئة الوسائل الضرورية لذلك.
- ويعرفها "آرثر" بأن "تنمية المجتمع المحلي تتمثل في الجهود التي يبذلها المواطنون لتحسين أوضاع مجتمعهم المحلية وزيادة طاقة الأهالي على المشاركة والتسيير الذاتي وتكامل الجهود فيها يتصل بشؤون المجتمع المحلي".
يركز "آرثر " في هذا التعريف على إلزامية تعبئة وتنسيق المجهودات الذاتية للمواطنين، والمساعدة الفنية للمؤسسات الحكومية والخاصة، لتنفيذ المشاريع التنموية التي تعمل على تحسين أحوال المجتمع.
- " مفهوم التنمية المحلية يقوم على عنصرين رئيسين هما:
1- المشاركة الشعبية في جهود التنمية المحلية، والتي تقود إلى مشاركة السكان في جمع الجهود المبذولة لتحسين مستوى معيشتهم ونوعية الحياة التي يعيشونها معتمدين على مبادراتهم الذاتية.
2- توفير مختلف الخدمات ومشروعات التنمية المحلية بأسلوب يشجع الاعتماد على النفس والمشاركة. سليمان ولد حامدون
- وهناك من عرف التنمية المحلية على أنها عملية التغيير التي تتم في إطار سياسة عامة محلية تعبر عن احتياجات الوحدة المحلية وذلك من خلال القيادات المحلية القادرة على استخدام واستغلال الموارد المحلية وإقناع المواطنين المحليين بالمشاركة الشعبية والاستفادة من الدعم المادي والمعنوي الحكومي وصولاً إلى رفع مستوى المعيشة لكل أفراد الوحدة المحلية ودمج جميع الوحدات في الدولة.
من التعريفات السابقة للتنمية المحلية نرى أن التنمية المحلية تقوم من ناحية على فكرة المكان أو المحلية، حيث يقول " Marcel Méthol " في تعريفه لفكرة المحلية بأنها:" المكان الأفضل للتدخل العمومي من أجل التسيير بطريقة مرنة وانجاز الخدمات العمومية، كما أن المحلية هي المستوى الوحيد الذي تتم فيه العملية التضامنية بين المواطنين بصورة جيدة، بشرط توفر الوسائل والحكمة المحلية (Sagesse locale).
ومن الناحية الثانية تقوم على فكرة المشاركة والتعاون فيما بين أفراد المجتمع المحلي والحكومة، للارتقاء بمستويات المعيشة، وذلك لتوفير كل الحاجيات الأساسية من غذاء وتعليم وصحة وسكن ...الخ، والأمن والطمأنينة والاستقرار داخل ذلك المجتمع المحلي، وهذا كله يتم من خلال مشاركة وتعاون المجتمع المحلي في تحديد وتنفيذ الأهداف الاستراتيجية التي تلبي رغبات أفراده وتتكامل مع الأهداف العامة للتنمية الوطنية الشاملة.
فالتنمية المحلية هي :
"العملية التي يمكن بواسطتها تحقيق التعاون الفعال بين الجهود الشعبية والجهود الحكومية للارتقاء بمستويات التجمعات المحلية والوحدات المحلية اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً من منظور تحسين نوعية الحياة لسكان تلك التجمعات المحلية في مستوى من مستويات الإدارة المحلية "
التنمية المحلية كما أعرفها :
" هي العملية التي من خلالها يمتلك إقليم محدد القدرة الذاتية على تحقيق نمو تراكمي مستمر لمستوى الرفاه الاجتماعي ، في إطار من الإدارة المحلية للموارد المتاحة، من خلال التشاركية الفاعلة بين المجتمع الأهلي والحكومة ".
إذاً التنمية المحلية عملية مركبة و حركة ديناميكية تتوخى تحقيق المتطلبات الاجتماعية وإشباع الحاجات الأساسية لساكنة ما. و بهذا فهي عملية ليست عفوية بل منظمة و مخططة تهدف الانتقال من وضع إلى وضع أحسن من سابقه. و لتدقيق هذا المفهوم أكثر لابد من مراعاة ثلاثة جوانب أساسية :
- الجانب المؤسساتي : ويهم طبيعة التنظيم الإداري والسياسي للبلاد: أقاليم، محافظات ،جهات، ولايات، وجماعات.
- جانب الإمكانيات والمؤهلات والموارد : سواء منها الطبيعية أو كل ما يتعلق بالخصائص والموارد الجغرافية والاقتصادية لجماعة محلية ما. لأن هذه المؤهلات هي التي تعطي للجماعات شخصيتها، وعلى أساسها يمكن التمييز بين جماعة قروية وجماعة حضرية.
- الجانب التاريخي : ويتعلق بالعناصر المشتركة: التقاليد، الأعراف، الثقافة والهوية الاجتماعية لجماعة محلية ما. وعلى هذا الأساس يستدعي الحديث عن التنمية المحلية مقاربة شمولية متعددة الاختصاصات ومن زوايا مختلفة.
بمقاربة أخرى :
يمكن التعبير عن مفهوم التنمية المحلية بشكل مبسط بأنه مستوى وفاعلية مشاركة المجتمع المحلي لحيز مكاني ما ( إقليم ) للحكومة في تحقيق التنمية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ضمن إطار من الإدارة المحلية للموارد المتاحة.
بالتالي نجد أن لمفهوم التنمية المحلية أربعة ركائز أساسية هي :
- المكان ( حيز ترابي محدد جغرافياً أو إدارياً مثل ريف – حضر – إقليم منطقة – محافظة ... ) ويتمتع بمزايا وموارد متاحة.
- المجتمع المحلي : سكان المكان المحدد على أن تجمعهم مصالح وانتماءات مشتركة ( قيم – عادات – تاريخ مشترك – ثقافة وسلوكيات – مصالح ..) وتتوفر لديهم الموارد والإمكانات .
- الحكومة : من خلال النظام السياسي والمؤسسات والخدمات والبنى التحتية والتشريعات.
- الإدارة المحلية .
أنواع التنمية المحلية :
نظراً للتمايز الحاصل في إمكانات الجماعات المحلية فقد أجمع الباحثون على التمييز بين ثلاثة أنوع من التنمية المحلية:
- التنمية المحلية الداخلية: وتهدف إلى استغلال كل الموارد الذاتية الممكنة وتعبئتها من أجل تحقيق تنمية ذاتية وإقلاع محلي.
- التنمية المحلية القائمة على التضامن: نظرا للتفاوت الحاصل ما بين الجماعات المحلية من حيث المؤهلات والموارد، ينطلق هذا النوع من التنمية المحلية من تصور مفاده أن عملية الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي لا يتم إلا عبر مقاربة تشاركية كمدخل ضروري للتفاعل والاندماج ما بين الجماعات المجاورة.
- التنمية المحلية المندمجة: تتوخى تجاوز الرؤية التقليدية للتنمية التي اختزلت العنصر البشري كوحدة إحصائية وظل هاجسها هو البعد الاقتصادي. وهذه المقاربة تعيد الاعتبار للموارد البشرية لأنه لا تنمية بدون تنمية اجتماعية. كما أنها تتميز بكونها ترمي إلى تحقيق الحاجات الإنسانية واستغلالها بشكل يضمن للأجيال اللاحقة حقها في التمتع بهذه الخيرات.
مجالات التنمية المحلية:
من خلال تعريفنا للتنمية بصفة عامة لمسنا كل الجوانب المختلفة للحياة فلاحظنا اتساع مجالات ونطاق التنمية كتخصص ليصل إلى معظم العلوم الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وكذلك الإدارية حيث تم طرح التنمية كمفهوم له روابط واتصالات قوية بالعلوم الأخرى مما أدى إلى بروز المجالات التنموية التالية :
- التنمية الاقتصادية :
ويقصد بها تحريك وتنشيط الاقتصاد القومي من خلال زيادة القدرة الاقتصادية مع ضرورة استخدام كافة الموارد بهدف تشجيع الاستثمار لاسيما استثمار الموارد المتاحة محلياً المادية والبشرية كمدخلات في مشاريع تنموية يشكل تلبية احتياجات ومتطلبات المجتمع المحلي هدفاً رئيساً لمخرجاتها. وهنا علينا إبراز الفرق بين النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية، فالأول يعني زيادة في نسبة الدخل القومي الحقيقي التي تحدث بمرور الزمن أما التنمية الاقتصادية فتشير إلى قيام الدولة بتغيير هيكل الإنتاج وهيكل توزيع الدخل لصالح الأفراد.
- التنمية الاجتماعية:
يقصد بها الارتقاء في الجانب الاجتماعي من خلال تبني المجتمع المحلي لسياسات اجتماعية تساعد على تحسين المستويات المعيشية والحد من الفقر وخاصة في المجتمعات المحلية من خلال المساهمة في توليد فرص عمل والقيام بأنشطة لتنمية المجتمع وهذا ما يؤدي إلى تخفيض معدلات البطالة والحد من انتشار الآفات الاجتماعية كالسرقة، الجرائم...الخ.
كما تطمح التنمية الاجتماعية إلى تحسين نوعية الخدمات المقدمة على مستوى المجتمع في المناطق التي تعاني من الفقر من خلال القيام ببرامج تنموية مختلفة تشمل قطاع التعليم، الصحة البيئة...الخ.
- التنمية السياسية:
يعرفها نبيل السمالوطي" أنها تتمثل في تنمية قدرات الجماهير على إدراك مشكلاتهم بوضوح وتنمية قدراتهم على تعبئة كل الإمكانات المتوفرة لمواجهة هذه التحديات والمشاكل بأسلوب عملي وواقعي"، فالتنمية السياسية تؤدي إلى تعزيز روح الابتكار والانتماء والإنجاز مما يساعد على تحقيق الاستقرار داخل الدولة.
وبناء على ما سبق ينظر إلى التنمية السياسية من خلال:
* أنها تمثل حالة الوعي السياسي أي انتشار الثقافة السياسية لدى الأفراد ومتابعتهم لكل المستجدات السياسية.
* أنها تمثل بناء المؤسسات أي تغيير الهياكل الإدارية بما يتماشى مع سياستها.
* أنها تمثل حالة تحديد ومعرفة النظام السياسي وذلك من خلال تحديد القاعدة الأساسية التي يتم بموجبها سير وتطور العمل السياسي وتوضيح كل الجوانب المتعلقة بالنظام السياسي.
أهداف التنمية المحلية :
تختلف أهداف التنمية في الهيئات المحلية (المحافظة، البلدية) كثيرا عن الأهداف العامة للدولة فالهدف العام لها يرمي إلى ضرورة العمل على تحقيق مستوى رفاه متوازن لكل الأفراد والجماعات في أي مجتمع إضافة إلى تحقيق الأهداف التالية:
- تحقيق معدلات عالية من النمو الاقتصادي: وذلك من خلال زيادة المشاريع الاقتصادية المحلية أو توسيعها وزيادة مساهمة المجتمع المحلي .
- القضاء على الفقر والجهل والتخلف ويتم ذلك من خلال توفير فرص عمل عن طريق المشاريع السابقة مما يخفض من معدلات البطالة ويرفع من القوة الشرائية للأفراد ومنه التقليل من ظاهرة الفقر وتوسيع الهياكل التربوية كبناء المدارس في مختلف البلديات والتجمعات السكانية خاصة في الريف من أجل ضمان التعلم للأطفال وكذلك فك العزلة عن هذه المناطق ودفعها نحو الانفتاح والتحضر تدريجيا.
- تعزيز القدرات العامة للمجتمع كتوفير وتعزيز البنى التحتية كشق الطرقات واستصلاح الأراضي والري وغيرها من المشاريع التي تزيد من قوة المجتمع.
- تحفيز المواطن للمشاركة في عملية التنمية وهذا يكون بتقديم الدعم المادي والمعنوي له وإشعاره بأنه عنصر مهم وفعال في مجتمعه وأنه بإمكانه تقديم الخدمات اللازمة للتنمية في شتى المجالات وخاصة إذا كانت تمس الاحتياجات والنقائص التي يعاني منها.
- دعم الإدارة المحلية حتى تتمكن من التطور والخروج من دائرة الفقر، وهذا الدعم يكون بتقديم المساعدات للقيام بالمشاريع للقضاء على النقائص التي تعاني منها.
- الاستفادة من اللامركزية والتي تعني استقلالية السلطة والإدارة مما يساعدها على وضع المشاريع المناسبة لها باعتبارها أقرب من الدولة إلى المواطن وأعلم باحتياجاته والنقائص التي يعاني منها.
- بروز إمكانيات التكامل بين المناطق، والتكامل يعني التعاون للوصول إلى الأهداف المسطرة وهو يمس مختلف المجالات ويساعد على تحسين نوعية الخدمات المقدمة ويسرع من عملية التنمية.
التنمية المحلية في سورية :
المجتمع السوري مجتمع عريق حضارياً جذوره ضاربة في التاريخ وعمقه الحضاري انعكس في تنظيمه عبر التاريخ . وجاءت المعتقدات السماوية التي كانت سورية مهدها الأولى لتعزيز منظومة القيم الراقية لهذا المجتمع الأصيل. بالتالي قامت العلاقة بين مكونات هذا المجتمع على المحبة و الألفة والتآخي والتعاون والإيثار، وكلها قيم تجميعية تساعد في تقوية البنى التنظيمية لهذا المجتمع من مفهوم الحارة إلى الحي إلى المدينة فالوطنية وصولاً إلى القومية. ويشهد التاريخ أن الشعور القومي تمركز وانطلق من سورية.
بحكم العراقة التاريخية و العقائد الحنيفة تمكن المجتمع السوري من تنظيم نفسه وساهم بفاعلية في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية. إلا أن هذه المساهمات ولاعتبارات موضوعية كثيرة تركزت على الجانب التطوعي الخيري ومفهوم التكافل الاجتماعي لاسيما للفئات الأكثر عوزاً .
مع التحديث والإصلاح الشامل بدأ المجتمع الأهلي يعيد الهيكلة ليكون أكثر فاعلية ومساهمة في التنمية الشاملة ، ساعد في ذلك الوعي قوة تأثير المنظمات غير الحكومية الدولية والقوانين والتشريعات التي شجعت المجتمع الأهلي على الانخراط في الحياة العامة بمختلف جوانبها.
يمكن تصنيف القوى الفاعلة إلى : حكومية – أهلية.
الحكومية تتجسد في البنى التحتية والمؤسسات والشركات والخدمات التي تديرها وتقدمها الحكومة.
أما المجتمع الأهلي فيضم : المنظمات الاقتصادية – المنظمات غير الاقتصادية – القوى غير المنظمة .
- المنظمات الاقتصادية تتكون من شركات ومؤسسات ومنشآت القطاع الخاص بمختلف أشكالها وأنواعها .
- المنظمات غير الاقتصادية تشمل كافة التنظيمات غير الهادفة للربح كالنقابات والاتحادات والجمعيات بمختلف أشكالها حتى ولو كانت تحت رعاية الحكومة. كذلك ضمن هذا المفهوم المنظمات الخيرية و الثقافية.
- أما القوى غير المنظمة فيقصد بها الأفراد أو النشاطات غير المنتظمة للمجموعات كما الحال في حالات الحروب و الكوارث وأعمال الخير الفردية.
وقد تبنت الدولة السورية مفهوم التنمية المحلية و تأطير قوى المجتمع وتفعيل مساهمة المجتمع الأهلي في التنمية وخصوصاً بعد انتهاج مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي و فسح المجال للقطاع الخاص للمساهمة الفاعلة في التنمية الاقتصادية حيث يساهم هذا القطاع بقرابة 70% من الناتج المحلي لسورية.
وقد تبنت القيادة السياسية في سورية ومنذ السبعينات نهج التعددية السياسية لاستيعاب التنوع والتمايز الايديولوجي وتوجيهه في خدمة المجتمع . والتعددية الاقتصادية والتي تهدف إلى جانب الدور القيادي للقطاع العام في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية إلى إفساح المجال أمام القطاع الخاص ليؤدي دوره في بناء الاقتصاد الوطني؛ وقد قامت فلسفة التعددية الاقتصادية في سورية على القطاعات التالية : القطاع العام – القطاع الخاص – القطاع المشترك – القطاع التعاوني .
إن التعددية الاقتصادية في سورية تقوم على الركائز التالية :
- القطاع العام وهو صاحب الدور القيادي في عملية التنمية باعتبار أن تحقيق التنمية مسؤولية تقع على عاتق الدولة ويترتب على القطاع العــام أن ينهض بمسؤولياته الأساسية القيادية في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، وتوفير حاجة الجماهير ومقتضيات الدفاع.
- القطاع الخاص باعتباره شريكاً أساسياً في عملية التنمية لأن بناء الوطن مهمة وطنية تقع على المواطنين كافة وتستوعب جهودهم وخبراتهم وإمكاناتهم جميعاً .
- القطاع المشترك هو أسلوب للتعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص في المجالات التي يكون فيها هذا التعاون هو الصيغة المناسبة أو الأنسب لتحقيق أهداف محددة أو ممارسة أنشطة في أكثر من مجال من مجالات التنمية .
- القطاع التعاوني كشكل من أشكال مساهمة المجتمع الأهلي في عملية التنمية الشاملة.
وقد بدء ظهور بذور التعاون في سوريا في أوائل القرن العشرين حيث كان الأهالي في بلدة أو قرية يجتمعون لشراء وسيلة نقل من أموالهم تنقلهم إلى المدينة أو لشراء مولدة كهرباء تؤمن لهم الكهرباء الضرورية لحياتهم اليومية أو يشتركون في حفر بئر مياه لتامين مستلزمات الشرب والسقاية .....الخ .
وفي عام 1950 صدر القانون رقم 65 الذي سمي قانون التعاون الذي سمح بتأسيس الجمعيات على اختلاف أنواعها تقوم بأعمال الإنتاج الزراعي والصناعي والتصريف والاستهلاك والتموين والإقراض والاقتراض وأعمال الري والتجفيف والحراثة ومكافحة الآفات وبناء المساكن والنقل والإسعاف الطبي وكل عمل يكون التعاون فيه حسب أحكام القانون خير من العمل الفردي وحدد غايتها بتحسين حالة الأعضاء من الوجهتين المادية والاجتماعية وظل معمولا في هذا القانون حتى الوحدة مع مصر عام 1958 حيث تم تطبيق قانون التعاون المصري رقم 317 لعام 1956 بموجب القانون رقم 91 لعام 1958 وبقي معمولا به حتى لكافة القطاعات التعاونية ما عدا التعاون الزراعي الذي صدر له القانون رقم 21 لعام 1974 وتم اعتباره تنظيما شعبيا واتحاد عام للفلاحين والقانون رقم 13 لعام 1981 الذي نظم التعاون السكني.
وبالعودة إلى أوضاع قطاعات التعاون في سوريا نجد أن تعزيز دور التعاون الزراعي من خلال دمج التنظيم النقابي مع التنظيم التعاوني قد افقد الحركة التعاونية أهم فروعها واثر على الحركة كلها فكريا واقتصاديا و اجتماعيا , أما بالنسبة للتعاون الاستهلاكي فقد نشط في بداية عمله إلا انه مع تطوره ونتيجة للحصار الاقتصادي الذي تعرضت له سوريا انحصرت اغلب مهامه في تلك الفترة بتوزيع المواد المقننة ومؤخرا بدء التعاون الاستهلاكي بتنشيط نفسه والعمل بأسلوب المجمعات وتأمين كافة المواد المتوفرة .
كذلك بدء قطاع النقل التعاوني بداية مشجعة بتامين المواصلات في المدن والبلدان وفيما بينها ومع الأقطار المجاورة إلا أن ظهور شركات القطاع العام التي تولت هذه المهمة في اغلب المدن أدت لانحسار دوره وجاءت وسائط نقل القطاع الخاص التي سمح باستعمالها في المدن والبلدان وبين المحفظات لتزيد من ذلك الانحسار .
أما التعاونيات السكنية فقد بدأت بداية مشجعة وأخذت دورا هاما في تأمين السكن جنبا على جنب مع القطاع العام والخاص . وعانى التعاون السكني من التراجع في السنوات السابقة نتيجة لعدد من العوامل منها الكساد وتراجع تجارة العقارات وتقارب كلف التنفيذ مع القطاع الخاص والبطء بالتنفيذ والمعوقات الإدارية وتقلص المزايا والإعفاءات ومع ذلك فقد بنى التعاون السكني ضواحي سكنية متميزة وقام بتنفيذ المرافق العامة والخدمات المشتركة فيها نيابة عن الجهات الإدارية وبأموال التعاونيين مما يوفر على الخزينة العامة المبالغ المخصصة لمثل هذه الخدمات ويتيح إمكانية استثمارها في مناحي اخرى .
تجربة الإدارة المحلية في سورية :
سورية في طليعة دول المنطقة والعالم التي اعتمدت أسلوب الإدارة المحلية من خلال مجالس المدن والمحافظات، المنتخبة من قبل المجتمع المحلي لهذه التقسيمات. وطبعاً وزارة الإدارة المحلية ضمن الحكومة السورية من الوزارات السيادية وغالباً ما كان هناك منصب معاون رئيس مجلس الوزراء لشؤون الخدمات والذي يشغله وزير الإدارة المحلية.
وفي ظل ثورة الثامن من آذار عام 1963، وبعد قيام الحركة التصحيحية في 16/11/1970 صدر قانون الإدارة المحلية بالمرسوم التشريعي ذي الرقم 15 عام 1971، وصدرت لائحته التنفيذية وجميع التشريعات والأنظمة اللازمة لوضع هذا النظام موضع التطبيق.
وقد أرسى هذا القانون الجديد أهدافاً تتيح للبلاد إدارة متطورة وأكثر فاعلية، وتحقيق فوائد كثيرة أهمها ما يأتي:
ـ تفرغ رجال السلطة المركزية للمهام الرئيسة المتعلقة بشؤون التخطيط والتشريع والتنظيم والتنسيق والمراقبة والتدريب والتأهيل.
ـ توسيع اختصاصات هيئات الإدارة المحلية في شتى المجالات، ولاسيما الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والخدمات والمرافق.
ـ إناطة السلطات المحلية بالهيئات المنبثقة عن إرادة المواطنين المعبّر عنها بطريق الانتخاب السري المباشر لهذه الهيئات، ووضع كل الإمكانات تحت تصرفها.
وتجلت أهم المنطلقات الأساسية لهذا القانون في النواحي التالية:
ـ تقسيم أراضي سورية بمقتضى هذا القانون إلى وحدات تتمتع بالشخصية الاعتبارية (المحافظة، والمدينة، والبلدة، والوحدة الريفية، والقرية التي يزيد عدد سكانها على خمسة آلاف نسمة)، ووحدات لا تتمتع بالشخصية المعنوية (المنطقة، والناحية، والحي، والمزرعة والقرية التي يقل عدد سكانها عن خمسة آلاف نسمة).
وقد راعى المشرع في هذا التقسيم نوع العوامل الاقتصادية والاجتماعية والإدارية ودرجتها ومدى قوة الروابط التي تصل بين المواطن ومجتمعه المحلي.
ـ توحيد التنظيم الإداري المحلي، فبعد أن كان النظام السابق يعتمد ازدواجية التنظيم الإداري المحلي، إذ كان ثمة تنظيم إداري تمثله مجالس المحافظات والمناطق، وتنظيم بلدي تمثله المجالس البلدية، فقد تلافى القانون الجديد مثالب الازدواجية في التنظيم ومآخذها.
ـ اعتماد مبدأ المركزية الديمقراطية، وهذا المنطلق يمكن استخلاصه من أن المجالس المحلية ومكاتبها التنفيذية تعد جزءاً لا يتجزأ من الجهاز الإداري العام للدولة، ومن حق المجالس المحلية التي هي أعلى في الإشراف على المجالس التي هي أدنى، ومن تبعية المجالس التي هي أدنى للمجالس التي هي أعلى، ومن تطبيق مبدأ التسلسل القيادي، ومن أن قرارات المجالس المحلية تعد نافذة، ما دامت ضمن إطار اختصاصات هذه المجالس وفي نطاق السياسة العامة للدولة.
ـ توسيع اختصاصات المجالس المحلية بحيث جعلت الوحدات الإدارية في كل المستويات، مسؤولة عن الاقتصاد والثقافة والخدمات وكل الشؤون التي تهم المواطنين في هذه الوحدات مباشرة.
ـ وضع القانون وسائل تمويلية كافية في أيدي سلطات الإدارة المحلية من أجل قيامها بالمهام المنوطة بها، مع مراعاة شرط أساسي مفاده عدم إرهاق المواطنين. وفي سبيل ذلك حرص المشرع على أن يكون فرض الضرائب والرسوم المحلية بقانون، وأتاح الفرصة أمام مجالس المحافظات لفرض رسوم الدولة لصالح الوحدات الإدارية، وللاستفادة من القروض والسلف والتسهيلات الائتمانية فضلاً عن إعانة الدولة المقررة في الموازنة العامة.
ـ تنظيم القانون علاقة الإدارة المحلية بالمنظمات في المجالس المحلية بنسبة لا تقل عن 60٪، ومنحه الحق لقيادة أي من المنظمات الشعبية في مراقبة المجالس المحلية ومكاتبها التنفيذية وأجهزتها ونقدها عن طريق توجيه مذكرات تتضمن ملاحظاتها وآرائها.
ـ حرص القانون ولائحته التنفيذية على تحقيق مبدأ جماعية القيادة المحلية ومبدأ تقسيم العمل بين الأجهزة بما يضمن عدم تركيز المهام والصلاحيات في جهة واحدة، وبما يكفل توزيع المسؤوليات وتحديدها تجنباً لازدواجية العمل وتشابك الاختصاصات، فقد أعطيت المجالس المحلية سلطة إصدار القرارات في كل ما يتعلق بالشؤون المحلية، وأنيط تنفيذ هذه القرارات بمكاتبها التنفيذية مجتمعة ومنحت هذه الأخيرة صلاحيات واسعة، وسمح لها بتفريغ عدد من أعضائها على أساس تكليف كل منهم الإشراف على قطاع تعمل في نطاقه بعض الأجهزة المحلية.
ـ تبنى القانون تبنياً واضحاً أسلوب الديمقراطية الشعبية في تكوين هيئات الإدارة المحلية، بدلاً من أسلوب الديمقراطية البرلمانية التقليدية، وذلك عن طريق تمثيل المنظمات الشعبية فيها، وإمكان أن تضم المكاتب التنفيذية في عضويتها عدداً لا يزيد على الثلث من خارج المجلس المحلي، والسماح بتأليف لجان دائمة ومؤقتة من بين أعضاء المجالس المحلية أو من غيرهم من أصحاب الخبرة والاختصاص، وإمكان تأليف لجان شعبية في المناطق والقرى والأحياء، مما يؤدي إلى توسيع قاعدة التمثيل الشعبي في أعمال المجالس، ويجعل إسهام المواطنين في هذه الأعمال أكثر واقعية وأبعد أثراً.
ـ تضمن القانون الرقابة الشعبية سواء جاءت من قيادات المنظمات الشعبية أو الصحافة ووسائل الإعلام أو من المواطنين مباشرة، ويمكن أن تؤدي هذه الرقابة إلى إلغاء عضوية ممثلهم في المجلس المحلي نتيجة قيام المجلس بالتحقيق في الاتهامات الموجهة إليه.
لقد جابه نظام الإدارة المحلية في بداية تطبيقه الفعلي بعض الصعوبات والثغرات، وحالت هذه الصعوبات دون تحقيق جميع الأهداف المبتغاة منه، الأمر الذي تؤكده القرارات التي صدرت عن مجالس المحافظات ومكاتبها التنفيذية، وبوجه خاص في نطاق التنظيم والتخطيط والبرمجة التي لم تعالج معالجة كافية مشاكل المواطنين واحتياجاتهم من حيث الوقوف عليها وإيجاد الحلول اللازمة لها.
ولا شك في أن تجربة القطر العربي السوري ما زالت في بداية الطريق، وأنها، كأية تجربة في العالم، لا بد أن تواجه في البداية مشاكل ومعوقات كثيرة. إلا أن المهم هو أن يصار إلى معالجتها تدريجياً في ضوء التطبيق والممارسة، وعلى هدي واقع كل بيئة ومنطقة تبعاً للظروف والأوضاع الخاصة بها.
كما أنشئت وزارة متخصصة في الشؤون الاجتماعية تعنى بتنظيم المجتمع الأهلي وحشد طاقاته في خدمة المجتمع ككل من خلال التنظيمات الاجتماعية المختلفة ولو أنها اقتصرت في سورية على مختلف أشكال العمل التطوعي والخيري والثقافي. وينظم عمل الجمعيات قانون خاص بها يجري حالياً العمل على تعديله بما يتناسب مع الأوضاع الراهنة.
كما انتهجت الحكومة السورية مفهوم التشاركية وصدر قانون التشاركية رقم 5 لعام 2016 بغية تضافر الجهود بين الحكومة و القوى المجتمعية الفاعلة لإيجاد صيغة جديدة للتعاون و التشارك بين العام والخاص من خلال الشركات القابضة و مشاريع ( B.O.T – B.O.O.T – B.L.T – M.O.O.T ) والتي تقوم جميعها على فكرة التشاركية و فصل الإدارة عن الملكية كما شرعت وشجعت تحول الشركات العائلية إلى شركات مساهمة.

تُعتبر آلية العمل في الجمعيات الخيرية في سورية مثارَ جدل واسع في الأوساط المحلية. فبين الثقة وعدم الثقة في الآلية التي يرأسها القائمون على هذه الجمعيات مسافةٌ ليست بالقليلة؛ لأنَّ المسألة مرتبطة، بشكل أو بآخر، بالحكم الصادر عن المجتمع وأفراده، وهي بالتالي ليست مسألة نمطية جامدة يمكن التمحيص فيها من خلال الآلية التي يصفها المعنيون الأساسيون في عمل هذه الجمعيات، وإنما المسألة تكمن في القناعة المترسخة لدى المواطن عن مدى المساعدة التي تقدمها هذه الجمعيات إلى المجتمع، وعلى اختلاف الأهداف الخاصة والعامة، وكذلك الجهات الراعية والداعمة لمثل هذه الجمعيات، لاسيما مع وجود نسبة من الفقر لا يُستهان بها، ومع رغبة الكثيرين من الأفراد في القيام بمساهمات فردية دون الاستعانة بالجمعيات الخيرية.
التوصيات والمقترحات:
- ضرورة الإسراع في إنجاز قانون عصري لتنظيم عمل منظمات المجتمع المحلي ( المنظمات – الجمعيات – الشركات المساهمة العامة... ) بما يحقق المساهمة الفعالة في تحقيق التنمية المنشودة.
- ضرورة التفعيل الحقيقي لدور هيئة دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وصندوق دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة ومؤسسة ضمان مخاطر تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة . بما بشجع المجتمع المحلي على تبني ثقافة العمل الخاص ويساعد في تخفيف الضغط على القطاع العام والمساعدة في معالجة مشكلة البطالة .
- ضرورة اعتماد أساليب ومنهجية التخطيط الذكي لمعالجة سلبيات أشكال التخطيط الحالية . بما يحقق التشاركية التامة بين مختلف مكونات الوحدة المحلية الاقتصادية والاجتماعية من جهة وتحقيق التكامل مع باقي الوحدات ( الأقاليم ) على مستوى الدولة من جهة ثانية . وكذلك ضمان المرونة اللازمة لمواجهة المتغيرات المتعلقة بالحرب الظالمة التي تشن على بلدنا والتعامل الصحيح مع متطلبات مرحلة الإعمار .
- ضرورة معالجة مشكلة المشاريع الاستثمارية المتعثرة المتعلقة بالترخيص، والتمويل. بحيث يمكن الاستفادة من الأمان والاستقرار .
- ضرورة معالجة مشكلة الاستملاك.
- التحضير للإطار التشريعي والبنية التحتية اللازمة استعداداً للتنقيب واستخراج النفط والغاز من الساحل السوري.
- إعادة النظر في مشروع محطة معالجة مياه الصرف الصحي ودراسة البدائل المتاحة والأكثر جدوى على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
- ضرورة الدراسة السريعة لواقع معالجة النفايات في المحافظة.
- ضرورة الإسراع في إعادة تشجير مناطق الغابات المحروقة وإمكانية تمويل ذلك عبر المنظمات الدولية .
- إعداد الدراسات التفصيلية للمشاريع التنموية المقترحة ضمن مشروع استراتيجية التنمية المحلية لمحافظة اللاذقية.
المراجع :
- د. محمد عبد الشفيع عيسى – معهد التخطيط القومي – القاهرة – 2010.
- د. إيمان أحمد محمد – أ. طارق محمد سليمان ، تحديات التنمية المحلية في العالم العربي – 2007.
- عبد المطلب عبد المجيد، التمويل المحلي والتنمية المحلية. الإسكندرية، الدار الجامعية، 2001.
- مصطفى الجندي، الإدارة المحلية واستراتيجياتها. الإسكندرية: منشأة المعارف، 1987.
- الطيب ماتلو، التنمية المحلية، معاناة وأفاق. "مجلة الفكر البرلماني"، العدد 04، أكتوبر 2003.
- د. صفوح خير – التنمية والتخطيط الاقليمي – وزارة الثقافة 2000.
- د. سيدي محمود ولد محمد - المشاكل الهيكلية للتنمية – الفكر الاقتصادي 23 – 1995.
- عبد الله طلبة، الإدارة المحلية (مطبعة جامعة دمشق 1984).
- قانون الإدارة المحلية 107 علم 2011 .
- د. فادي عياش – التنمية المحلية وعلاقتها بالتنمية الإقليمية والدولية ، المعهد الوطني للإدارة العامة .
- د. فادي عياش - مشروع استراتيجية التنمية المحلية.
- د. فادي عياش – التنمية المحلية الواقع والأفاق – ورقة عمل مقدمة لورشة عمل التنمية في جامعة تشرين 2016
-
الجوال :
+963 988 212212 -
البريد الإلكتروني : econ.sy@gmail.com