تجربة التصدير خلال الحصار
تجربة الصادرات خلال الحصار:


إنًّ كُل عملية بيع أو تجارة بدائية تبدأ من قرية إلى قرية و تُعتبر حالة تصدير بالتبديل السلعي أو المقايضة السلعية.

مثال ذلك قرية تُنتج زيت زيتون تبيع زيتَها إلى قرية أخرى تختص بإنتاج القمح و العدس لتقوم هذه القرية بدورها ببيع منتجاتها للقرية الأولى و لقرية أخرى تختص بمنتجات أخرى، و هذا يُعتبر تصدير بين قرى لينتقل ليُصبح من قرية إلى مدينة و من مدينة إلى مدينة أُخرى ، و ليُصبح التصدير بالنهاية بين بلد و آخر.

أًي بلد ليس لديه ما يُصدّره هو بلد فقير و يعيش دائماً بحالة عوز، و لن يصل إلى أي رفاهية أو لتحسين مستوى معيشة شعبه.

تنقسم الدول إلى نوعين: نوع يعتمد في معيشته على السياحة و الخدمات ،و هو بلد خدمي يتأثر بأي هزة أمنية تحصل فيه أو بالبلاد المجاورة له أو بأي كوارث طبيعية ( زلازل، براكين،..) تحدث لديه و الذي يؤدي إلى انهيار هذا البلد .

والنوع الثاني هو النوع الذي لديه مقومات التصدير من انتاج و تصنيع و ثروات باطنية و زراعية ، و هو بلد اقتصادي لا ينهار رُغم ما يمر عليه من ظروف أمنية و حصار و كوارث طبيعية، لأن لديه كل المقومات الاقتصادية لنهوضه من جديد .

و مثال ذلك العراق، فبالرغم من كل ما عانى خلال السنوات الماضية من حروب و أزمات استطاع بفضل ما لديه من صادرات نفطية النهوض و إعادة بناء حضارته و اقتصاده من جديد.

مثال ثاني الأرجنتين  بالرغم من حالات الإفلاس التي تأثرت بها إلا إنها بما لديها من صناعة المعادن، ، والسيارات، والشاحنات، وأنابيب النفط، وصناعة المواد الكيميائية، والمعدات الكهربائية. والمواد الغذائية  و الزراعية كالمتة  و غيرها بقيت من الدول الرائدة  عالمياً.

أيضاً البرازيل لديها من ثروة حيوانية و صناعات كيميائية ، و صناعة السيارات، و الطائرات و الأسلحة، و المواد الزراعية كالبن البرازيلي المشهور الذي يتم تصديره إلى كل دول العالم.....

كما أنّ هنالك دول لا تملك مقومات للإنتاج و التصنيع و التصدير، و ليس لديها خبرة في مجال الصناعات و الفكر الصناعي التصديري تقوم بتصدير العمالة البشرية كالفلبين و أندونيسيا .

إذاً التصدير هو عماد الحياة الاقتصادية في كل دول العالم ،و كما يقول اليابانيون "التصدير أو الموت "

عندما بدأت الحرب الكونية على سورية بدأ الحصار بشقيه العسكري و الاقتصادي. وكانت بداية الحصار الاقتصادي من خلال تدمير المصانع في جميع التجمعات و المدن الصناعية ، و توازياً مع فتح الجبهة العسكرية لفك الحصار العسكري بدأت الجبهة الاقتصادية فعلى الرغم من خروج عدد كبير من المصانع السورية عن العمل في الأماكن الساخنة بدأت صناعة الظل و الصناعات الزراعية بالتموضع في مناطق أخرى على المساحة الجغرافية السورية .

و بسبب الطلب على البضائع السورية من الخارج واستمرار الصادرات السورية رغم كل الظروف وحفاظها على جودتها و نوعيتها لم يكن أمام الدول المتآمرة على سورية إلا أن تقوم بإغلاق جميع المنافذ البرية على كامل الجغرافية السورية ، لأنها تعلم حقاً بأن التصدير في سورية هو عماد الحياة الاقتصادية .

و لم يبق لدينا سوى البحر و الجو لتصدير بضائعنا.

ومن هنا بدأنا بإيجاد سبل لتجميع معظم الصناعيين و المنتجين الذين لديهم القدرة على التصدير، و إيجاد الحلول مع الحكومة لنبقى بالحد الأدنى قادرين على الاستمرار بالتواصل مع الأسواق الخارجية.

البداية كانت من القطاع النسيجي، حيث تم نقل المعارض التخصصية النسيجية من سورية  إلى لبنان، مصر، العراق، إيران، الأردن الإمارات باعتبارها الأسواق المتاحة لنا في تلك المرحلة و تم دعوة رجال الأعمال المستوردين لزيارة هذه المعارض لتثبيت عقود تصديرية مع المنتجين و الصناعيين بضمانة اتحاد المصدرين السوري كدفع رعابيين و تسليم لأن الوضع لم يكن آمن بالنسبة للمستوردين و كنا نقوم بالشحن بحراً و جواً ، و شكلنا شبكات عائلية من خارج الحدود تشمل كافة الجغرافية المستهدفة في العالم للترويج عن البضائع و تجميع أموال الصادرات و تحويلها.

بعد ذلك عملنا على فتح معابر ترابية غير شرعية إلى العراق وذلك بموافقة الحكومتين السورية و العراقية و أدخلنا بضائعنا بطرق غير معروفة  إلى العراق لتجنب عبورها عبر الطرق المتواجدة عليها القوات الأميركية و المسلحين.

و بالنسبة إلى لبنان، كان هنالك بعض الوزراء في لبنان و الذين نستطيع تسميتهم بالعملاء قاموا بمنع بعض المواد  و المنتجات السورية  ( زيت الزيتون ، الألبان و الأجبان ، إلخ ) من الدخول إلى لبنان إلا أننا استطعنا و بطرق ملتوية من إدخالها إلى لبنان.

ثم طلبنا من الحكومة دعم الشحن الجوي إلى العراق و الكويت و الذي من خلال هذا الدعم الذي قدمته الحكومة استطعنا استعادة جزء من هذه  الأسواق.

بعد القطاع النسيجي قمنا بالطلب من الحكومة بدعم حوايا القطاعات الغذائية و الكيميائية ككونتينرات الأمر الذي أدى إلى استعادة أسواق كثيرة و منها أوربا عبر البحر.

بعد أن أثبتنا للعالم أجمع أنّ منتجاتِنا و صناعاتِنا ما تزال متماسكة و ما تزال ذات جودة و نوعية عالية ، و بعد أن بدأ الوضع الأمني بالتحسن و بدأ الأمان يعود إلى  دمشق بدأنا بتنظيم معارض داخل دمشق و استضافة رجال أعمال مستوردين من الخارج وتقديم ميزات لهم من  خلال تقديم تذاكر السفر و الإقامة في فنادق خمس نجوم بشكل مجاني لزيارة المعارض ، حيث قامت اللجان المشكلة من رجال الأعمال المصدرين بالسفر إلى الدول الخارجية للقيام بجولات على رجال الأعمال المستوردين لدعوتهم للعودة إلى دمشق  للاطلاع على الصناعات و المنتجات السورية  ولإعادة الروح الاقتصادية داخلياً هذه المرة .

 

كان التجاوب من رجال الأعمال المستوردين بطيئاً أول مرة حيث زار سورية في أول معرض /130/ رجل أعمال من ستة دول ثم ما لبث العدد أن زاد بعد أن لمس رجال الأعمال الأمن و الأمان في دمشق ليصبح عدد زوار المعرض الثاني /600/ رجل أعمال مستورد، و ليصبح في المعرض الثالث /800/ و المعرض الرابع /1200/ رجل أعمال مستورد من /30/ دولة ، وكانوا بمثابة رسل لبلادهم عما رأوه من أمن و صناعات و عودة للحياة الاقتصادية في سورية.

بعدها تم الانتقال إلى المرحلة الثالثة من خلال إقامة معارض خارجية بيع المباشر للبضائع السورية، وتم إقامة أكبر معرض للمنتجات السورية في بغداد و الذي استمر لشهر كامل، و زاره أكثر من مليون زائر و دخلت بضائعنا المختلفة ( مواد غذائية، وكيميائية، و منظفات و ألبسة و غيرها ) بحدود ( 1000 طن ) إلى أكثر من 200 ألف بيت عراقي ، و كان هذا المعرض هو رسالتنا للسوق الأول لنا العراق "أننا ها قد عدنا "

كما تم إقامة معرض بيع المباشر للبضائع السورية في مدينة بنغازي في ليبيا خلال شهر رمضان المبارك باعتبار أن ليبيا تعتبر مركز عبور لشمال افريقيا وخاصة تونس و تشاد و النيجر.

 

أما بالنسبة للمعوقات التي واجهتنا و التي استطعنا تجاوزها بعد وصول صادراتنا إلى /103/ دول خلال فترة الحصار كان أهمها هو كيفية عودة أثمان البضائع المصدرة.

الشبكة التي بنيت خلال هذه الفترة عبر القارات هي حالة تُدرّس خلال الأزمة لأن الحصار كان مطبق على كافة المؤسسات المالية التي تتعامل مع سورية.

و نستطيع اليوم القول أن لدينا هيكلية للصناعة و الإنتاج و التصدير تعمل رغم الصعوبات براً و بحراً و جواً و بطرق مبتكرة، و إن الشرح يطول لأننا نتكلم عن اقتصاد دولة.

...
الحدث القادم
  1. مستقبل الزراعة في سورية
    د. يونس ادريس
    2026-05-12
  2. عدد الايام المتبقية :
    6 يوم
قسم المعلومات
...

  • الجوال : +963 988 212212
  • البريد الإلكتروني : econ.sy@gmail.com