القطاع العام في سورية
القطاع العام في سورية إلى أين؟:
المقدمة:
رافق مفهوم القطاع العام، ظهور الدولة وتطور وظائفها، بصورة عامة. إذ أنه من الطبيعي أن تقدم الدولة أنواعا من السلع والخدمات العامة بأسعار مجانية أو بأسعار رمزية إلى مواطنيها. فهي تقدم الخدمات الأمنية من خلال حماية الأشخاص والأموال، أو الرعاية الصحية، أو خدمات التعليم بمستوياته المختلفة، أو تأمين الاتصال البري والبحري والجوي والإلكتروني في الداخل والخارج، وما إلى ذلك من الخدمات التي يمليها مفهوم الدولة الراعية التي لا ترغب في التدخل في الشأن الإقتصادي إلا في حالات استثنائية، كملكية الدولة لبعض الصناعات العسكرية. ومع ذلك فإن مثل هذه السلع والخدمات التي تمتلكها الدولة يشار إليها على أنها قطاعا عاما، لتمييزها عن القطاع الخاص، الذي يقدم السلع والخدمات بناء على معطيات قانون العرض والطلب، ويهدف من وراء تقديم مثل هذه السلع والخدمات تحقيق العائد أو الربح، بعكس السلع والخدمات العامة التي تقدمها الدولة ولا تهدف من خلالها إلى تحقيق الربح.
إلا أن الأنظمة الاشتراكية كانت تستهدف إلغاء دور القطاع الخاص تدريجيا لتقوم الدولة بهذا الدور أيضا. مما قد يقتضي تقسيم القطاع العام إلى قسمين أحدهما اقتصادي يهدف إلى الربح والثاني لا يهدف إلى الربح ، وهو القطاع التقليدي الذي اعتادت الدولة أن تقوم به، ويمكن تسميته تجاوزا القطاع العام الخدمي غير القابل لتحقيق الربح بصورة عامة بل يهدف إلى تقديم السلع والخدمات المجانية أو العامة .
والواقع أن فكرة قيام الدولة بالأنشطة الإقتصادية الهادفة إلى الربح أو القطاع العام الإقتصادي، دخلت إلى القاموس الإقتصادي كحل تبنته الأنظمة الاشتراكية ردا على أزمة النظام الرأسمالي، عن طريق قيام الدولة بالوظائف الإقتصادية عوضا عن القطاع الخاص الذي تتهمه بالاستغلال وتحقيق المكاسب والثروات على حساب جماهير الشعب .
وقد نشأت أزمة النظام الرأسمالي، في أعقاب عصر النهضة الذي عاشته القارة الأوربية، من خلال اعتماد الفكر الفلسفي على الملاحظة والتجربة، دون التسليم بالمقولات النظرية غير المدعمة بالملاحظة والتجربة .ومن الأمثلة على ذلك: أن الكنيسة فرضت على عالم الفلك الإيطالي غاليليو بالإقامة الجبرية مدى الحياة لأنه أصر على الاعتقاد بأن الأرض هي التي تدور حول الشمس عكس التعليمات الكنسية التي كانت سائدة في ذلك الوقت .
وكان لإصرار فلاسفة عصر النهضة على الفكر العلمي، أن فتح المجال أمام الاختراعات الحديثة التي أدت إلى زيادة الإنتاج والإنتاجية وتحسين جودة المنتجات وتخفيض تكلفتها. حيث صارت الآلة تحل محل عشرات العمال فتنخفض تكاليف الإنتاج ، أما العمال الذين لم تعد ثمة حاجة إليهم، فيصبحون بلا عمل. مما أغضب الطبقة العاملة التي كونت نقابات للدفاع عن حقوقها ضد الثورة الصناعية التي أتت بالآلات الجديدة، وقد وجدت تلك الطبقة العاملة طالتها بالفلسفة الماركسية التي كانت تعتقد بأن الصراع الطبقي هو محرك التاريخ، ويتمثل بالصراع بين الطبقة الكادحة من جهة والطبقة الرأسمالية من جهة أخرى كما كانت تعتقد بأن نضال الطبقة العاملة سيؤدي في نهاية المطاف إلى انتصار الطبقة الكادحة وسقوط الرأسمالية.
ولما كانت الآلات الحديثة تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة يندر أن يقوى المشروع الفردي على تقديمها، كان لا بد من تأسيس شركات الأشخاص للنهوض بهذا العبء التمويلي، وحين يعجز الشركاء عن تقديم المال اللازم، كان لا بد من تأسيس الشركات المساهمة التي تتمكن من جمع الأموال من مساهمين قد لا يعرف بعضهم بعضاً، وينتخبون مجلساً للإدارة يعمل على حماية مصالحهم في جو من الحوكمة والشفافية .
ومع أن الشركات المساهمة كانت تمثل الرافعة القوية لتحقيق التنمية الإقتصادية، وترجمة الاختراعات الحديثة إلى تكنولوجيا زادت الإنتاج وخفضت التكلفة وحققت نمواً اقتصاديا واجتماعيا عم القارة الأوربية، إلا أن الأحزاب الشيوعية كانت تناصبها العداء وتعدها من أهم الأدوات التي سرعت التطور الرأسمالي الهادف إلى استغلال الطبقة الكادحة.
وبالرغم من فشل كومونة باريس وعدم قدرتها على الاستمرار، فقد تمكن تروتسكي من القيام بتمرد عسكري بدعم من البلاشفة بزعامة لينين مما أدى إلى الإطاحة بنظام القيصر في روسيا ذات النظام الإقطاعي الذي لم يكن قد وصل إلى الرأسمالية بعد، والسيطرة على الحكم وتشكيل أول دولة اشتراكية عام 1917 حيث بدء بتأسيس دولة اشتراكية ألغت القطاع الخاص تدريجيا ليحل القطاع العام محله . وقد خاض الاتحاد السوفييتي الحرب العالمية الثانية بزعامة ستالين، فأسس حلف وارسو الذي ضم دول أوربة الشرقية التي احتلها الجيش الأحمر خلال الحرب العالمية الثانية .
ولم تكد الحرب العالمية الثانية أن تضع أوزارها، حتى بدأت الحرب الباردة بين حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفييتي من جهة ، والحلف الأطلسي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية والذي يضم في عضويته معظم دول أوربة الوسطى والغربية من جهة ثانية . وقد كان لهذا الوضع الدولي أثرا عميقا على الوضع العربي بصورة عامة وعلى الموقف السياسي والاقتصادي في سورية بشكل خاص . ابتداءً من نشوء القاعدة الصناعية التي أسستها البورجوازية الوطنية في سورية، ثم توقف هذا المشروع بعد تأسيس دولة الوحدة بين سورية ومصر بقيادة جمال عبد الناصر، وما أعقب ذلك من وصول البعثيين إلى السلطة عام 1963 .
تأسيساً على ذلك فإنني سأعرض هذه المحاضرة، وفق التسلسل التالي:
- الثورة الصناعية في سورية.
- نشوء القطاع العام الإقتصادي.
- إدارة القطاع العام.
- محاولات التصدي لمعالجة مشكلات القطاع العام.
آ-لجنة الخمسة والثلاثين.
ب-اقتصاد السوق الاجتماعي.
ج-التشاركية.
- ضرورة تحويل شركات ومؤسسات القطاع العام إلى شركات مساهمة.
- حدود الخصخصة.
- الحوكمة.
- الثورة الصناعية في سورية:
شهدت سورية كغيرها من الأراضي العربية التي خضعت للحكم العثماني أربعة قرون ونيف، ركودآ اقتصاديآ طويلآ، فقد كانت الأرض هي وسيلة الإنتاج الوحيدة بصورة عامة، وكانت الأرض مملوكة للسلطان العثماني، وهو الذي يجيز للعائلات الإقطاعية أن تستثمرها شريطة أن تدفع أتاوات عينية محددة، بالإضافة إلى الضرائب النقدية المتعددة التي كانت تقارب المئة ضريبة. حتى أن نقل البضائع بين الولايات كان خاضعاً للضرائب الجمركية، وكان نقل البضائع محفوفاً بالمخاطر من خلال هجمات قطاع الطرق . كل ذلك جعل وجود أرباح أو فوائض لدى الإقطاعيين صعب المنال. أما الفلاحون فكانوا بالكاد يحصلون على قوت يومهم، وهم مجبرون على العمل في أراضي الإقطاعيين هم وعائلاتهم. وكان الشبان مجبرون على أداء الخدمة الإلزامية( الجهادية ) التي كانت تطول إلى عشرين عاماً عدا الخدمة الإحتياطية التي تمتد إلى خمس سنوات، وكثيراً ما يموت هذا المجاهد دون أن يعلم عن موته أحد. ولذلك لم تتوفر تراكمات رأسمالية لتطوير المشروعات الحرفية اليدوية، ولم تتوفر قوة العمل اللازمة لذلك .
على ذلك فإن سقوط الدولة العثماني عام 1916 قدم نقطة انطلاق جديدة حررت الاقتصاد السوري من القيود القديمة، مما مكن الورشات الصناعية أن تتحول إلى مصانع عصرية، ففي عام 1934 كان في دمشق 63 مصنعاً، وفي حلب 71 مصنعاً، ومع نهاية عام1936 صار في سورية 7 شركات مساهمة وقد ازداد عددها ليصبح9 شركات مساهمة عام 1939 ,في عام 1956 بلغ عدد الشركات المساهمة 177 شركة . ومن بين هذه الشركات الشركة الصناعية المتحدة الخماسية في دمشق، والشركة السورية للغزل والنسيج وشركة الشهباء للإسمنت في حلب وشركة سكر حمص. وقد اعتمدت استراتيجية التصنيع في تلك المرحلة على تصنيع المواد الأولية المنتجة محلياً، كالقطن السوري عالي الجودة، الذي أتاح إنتاج الغزول والمنسوجات ذات الجودة العالية والأسعار المنافسة، مما جعلها تمون السوق المحلي وتصدر إلى بعض الدول الأحرى. كما أن توفر المواد الأولية اللازمة لصناعة الإسمنت غير القابل للتخزين لأكثر من شهر واحد جعل تغذية السوق المحلي بالإسمنت المنتج محلياً قراراً لا غبار عليه.
أما معدلات النمو الإقتصادي في الفترة التي تلت الاستقلال فقد كانت الأفضل بين كافة الدول العربية، وكانت تتراوح بين 5%-7% خلال الفترة الواقعة بين عامي 1950 -1953 وقد بلغ معدل النمو الإقتصادي 6% في الفترة بين 1953 – 1957 وقد ترافق ذلك مع معدل تضخم يقارب الصفر في تلك المرحلة. ولم تقتصر الزيادة على الناتج المحلي الإجمالي بل شملت الدخل الفردي أيضا . مما يشير إلى نمو الطبقة الوسطى في سورية وهي الضامن الحقيقي للاستقرار الإقتصادي والاجتماعي . وقد انعكس ذلك على إقبال المواطنين على شراء الأسهم في الشركات المساهمة السورية، التي بنت مصانع متقدمة تعتمد على تكنولوجيا معاصرة مكنتها من الصمود في المعركة التنافسية التي لا ترحم. وقد استند تقدم الشركات المساهمة في تلك المرحلة، إلى إطار من الحوكمة المجتمعية، الذي تمثل بقانون التجارة، ونظام قضائي يعتمد على العدالة والشفافية، في ظل أحزاباً متنافسة وصحافة حرة ومجلس نواب يتبع له جهاز الرقابة الحكومي وسوق بسيط لتبادل الأوراق المالية .
وقد عبرت البورجوازية الوطنية عن طموحاتها القومية التي تؤدي إلى توسيع السوق عن طريق مشروع الهلال الخصيب، لكن الظروف السياسية لم تسمح بتحقق هذا المشروع. ليحل محله مشروع آخر هو قيام دولة الوحدة بين سورية ومصر بزعامة جمال عبد الناصر.
إلا أن دولة الوحدة لم تلب مطامح البورجوازية الوطنية، فكان التباعد الجغرافي بين الإقليم السوري والمصري، بالإضافة إلى التوتر السياسي الذي نشأ بين عبد الناصر من جهة وزعماء الدول العربية المجاورة من جهة أخرى، مما انعكس على الصادرات السورية إلى هذه الدول بشكل جزئي، وأكثر من ذلك فقد تبنى عبد الناصر نظاماً أقرب إلى الاشتراكية.
- نشوء القطاع العام الإقتصادي في سورية:
أصدر عبد الناصر المرسوم 117 المؤرخ في 20\7\1961 نقلت بموجبه ملكية المصارف وشركات التأمين، بالإضافة إلى 15 شركة صناعية إلى الدولة بالكامل، كما صدر المرسوم 118 في نفس التاريخ انتقلت بموجبه نصف ملكية رؤوس الأموال لاثني عشر شركة سورية أخرى، وصدر في نفس التاريخ مرسوماً آخر برقم 119 حظر على أي شخصية طبيعية أو اعتبارية أن تمتلك أسهماً تزيد قيمتها على مئة ألف ليرة سورية. وقد تم تعديل هذا المرسوم وتخفيض سقف الملكية فيما بعد. وكان قانون الإصلاح الزراعي قد حدد سقف الملكية الزراعية منذ عام 1958. وكانت هذه التشريعات التي أصدرها عبد الناصر تؤسس للقطاع العام الإقتصادي، وتفصل البورجوازية الوطنية عن المشروع القومي وتحكم بفشله السريع. وبالفعل لم تمض شهور معدودة حتى انفرط عقد الوحدة، ولم يتمكن حكم الانفصال من الصمود طويلاً، حيث تسلم البعثيون السلطة في آذار عام 1963. وفي خريف العام المذكور عقد المؤتمر القومي السادس لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان يحكم سورية والعراق في ذلك الوقت. وقد اقر المؤتمر أن ثمة تلازماً عضوياً بين النضال القومي والصراع الطبقي ودعا إلى تأميم وسائل الإنتاج والقضاء التدريجي على الملكية الفردية إلا بحدود الاستعمال الشخصي، وقد كانت هذه المقررات نقلة باتجاه اليسار وإعلان الحرب على البورجوازية الوطنية، وإفراغ العمل القومي من مضمونه الإقتصادي، فتسارعت حركة هروب رأس المال الوطني ,والخبرات المحلية التي تراكمت خلال الثورة الصناعية إلى الأردن ولبنان ودول أبعد.
ولم تتأخر القرارات التنفيذية، حيث صدرت قرارات أممت كافة الشركات المساهمة وعدداً من الشركات الأخرى في بداية عام 1965 فصار قطاع التأمين والمصارف وجزء هام من قطاع الاستيراد والتصدير والتجارة الداخلية مملوكاً للدولة ملكية تامة، بالإضافة إلى كافة الشركات الكبرى من قطاع الصناعات التحويلية. وكانت الحكومة السورية قد شيدت مصفاة حمص في أواسط الخمسينات، كما أممت شركة الكهرباء والحافلات الكهربائية عان 1951 وقد عملت الحكومة على توسيع القطاع العام عن طريق إنشاء شركات جديدة أو توسيع الشركات القائمة. ومع أن قطاع الطاقة يعد جزءاً من القطاع العام فإن مشكلاته الإدارية تختلف عن القطاعات الأخرى، مما يجعل تركيزنا في هذه المحاضرة لا يطبق بشكل دقيق على قطاع الطاقة نظراً للطبيعة الفنية والمالية الخاصة بهذا القطاع. ويمكن القول أن القطاع العام هيمن على النشاط الإقتصادي في سورية منذ اتخاذ هذه القرارات، وما زال مهيمناً على النشاط الإقتصادي حتى الآن. رغم أن القطاع العام لم يمارس نشاطاً استثمارياً ذا أهمية منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي، كما لم يمارس القطاع الخاص ذلك الدور الموعود، مما انعكس على تراجع معدلات النمو حتى صارت سالبة بحسب الأسعار الثابتة. مما أدى إلى اتساع نطاق الفقر وتزايد موجات الهجرة إلى دول الخليج أو إلى الدول المجاورة أو إلى دول أخرى بحثاً عن عمل. وقد ساعدت هذه الظروف على انضمام بعض الشباب اليائس إلى المنظمات الإرهابية.
يسيطر القطاع العام على صناعة الغزل سيطرة تامة، كما يسيطر على نسبة كبيرة من صناعة النسيج القطني والصوفي والنايلون. بالإضافة إلى سيطرة كاملة على صناعة السكر والدقيق والتبغ والمياه المعدنية ودباغة الجلود ومساهمة كبيرة في الصناعات الأخرى والفنادق. ومع ذلك فإن القطاع العام يمثل عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الوطني، فقد حقق القطاع الخاص في قطاع الصناعات التحويلية فائضاً يزيد على 40 مليار ليرة سورية عام 2009 (المجموعة الإحصائية) إلا أن القطاع العام في الصناعات التحويلية حقق عجزاً يقارب 140 مليار ليرة سورية عن نفس العام. وزاد عجز القطاع العام في الصناعات الغذائية على 14 مليار ليرة بينما حقق القطاع الخاص فائضاً يقارب 18 مليار ليرة سورية عن نفس العام. وبالرغم من عراقة الصناعة التحويلية في سورية وقد كانت في طليعة الدول العربية خلال الخمسينات فإن مساهمة الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي خلال العقد الماضي بلغت 4%فقط وقد وصلت إلى 20% في كل من تونس ومصر كما قفزت إلى 40% في النمور الآسيوية. أما بنية الصادرات السورية فقد كانت نسبة المواد الأولية فيها 79% وهو مؤشر حضاري هام يشير إلى تراجع الصناعة في سورية.
ولعل السؤال الذي يثور في هذه المناسبة: من أين يغطى هذا العجز الذي يحققه القطاع العام؟
والجواب على ذلك: إن القطاع العام مملوكاً للدولة وهي المسؤولة عن تسديد كافة التزاماته، لذا فإن صندوق الدين العام التابع لوزارة المالية هو الذي يغطي هذا العجز. ومن الطبيعي أن موارد الدولة المعتادة من ضرائب دخل أو ضرائب خدمات وغيرها تكاد لا تكفي لتمويل النفقات المعتادة للنفقات الحكومية، ولذلك فإن الدولة مضطرة لتدبير تمويل عن طريق الإقتراض من المصرف المركزي وهي الوسيلة التي اعتادت الحكومة السورية على اتباعها. ويؤدي الإقتراض من المصرف المركزي إلى زيادة الكتلة النقدية المتداولة دون مبرر إنتاجي، والنتيجة الطبيعية هي انخفاض القوة الشرائية لليرة السورية وارتفاع أسعار العملات الأخرى ويتلو ذلك بطبيعة الحال ارتفاع أسعار السلع والخدمات وعجز أصحاب الدخل المحدود عن تأمين حاجاتهم الأساسية. وتزداد جماهير الفقراء عن طريق تفتت الطبقة الوسطى وانضمامها إلى جموع الفقراء وقد بلغ معدل الفقر الدولي في سورية خلال عشر سنوات من 1996-2003( 30% ) من مجموع السكان . هذا ما يجعل حل مشكلة القطاع العام ذات أولوية كبرى ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية، وخاصة في الظروف التي تمر بها بلادنا في الوقت الحاضر.
- إدارة القطاع العام:
بيّنا في الصفحات السابقة أن القطاع الخاص في سورية الذي تحول إلى قطاع عام خلال العقد السادس من القرن الماضي كان قطاعاً رابحاً بامتياز، وقد كانت مؤشرات النمو الإقتصادي في سورية متميزة عن كافة الدول العربية في تلك الفترة، ولعل البحث في إدارة هذا القطاع العام تقدم تفسيراً لهذا الفشل الذي مني به هذا القطاع العام وجعله عبئاً على الاقتصاد الوطني بصورة عامة، وعبئاً على موازنة الدولة بشكل خاص. ولعلنا نعرض العوامل التالية التي أسهمت في رأينا في صيرورة القطاع العام إلى الوضع الراهن:
- نقص الاستقلال:
كان القطاع العام مملوكاً للدولة، سواء كانت الدولة هي الي أنشأته أساساً أم آل إليها عن طريق التأميم أو المصادرة، كما كانت الوحدة التنظيمية الأساسية في هذا القطاع هي الشركة الحكومية، التي تتبع إليها معامل، وقد تتبع هذه الشركة إلى مؤسسة تشرف عليها من الناحية الإدارية، وتتبع المؤسسات على اختلافها إلى الوزير المختص، الذي ينفذ بدوره سياسات الحكومة وقد يعود إلى رئيس الحكومة لتلقي التوجيهات أو اتخاذ بعض القرارات. وبالرغم من أن القوانين والأنظمة كانت تعطي مدير الشركة أوسع الصلاحيات لإدارة الشركة وهو آمر الصرف وعاقد النفقة، إلا أن هذه الصلاحيات كانت منقوصة إلى حد بعيد. إذ أن صلاحيات المؤسسة تقتضي عرض الكثير من القرارات على إدارة المؤسسة قبل اتخاذها، وهذا أدى إلى تحويل المدير العام إلى موظف تنفيذي لا يمتلك القدرة على اتخاذ الكثير من القرارات. وهو مضطر لأخذ موافقة وزارة المالية على موازنته التقديرية وعليه أن يعمل بتوجيهاتها في الجانب المالي. كما عليه أن يورد الأرباح التي يحصل عليها إلى وزارة المالية، وهي المسؤولة عن تغطية الخسائر.
وقد استعاضت دول أخرى عن الشركة الحكومية، بشركة مساهمة تمتلكها الدولة. مما مكنها من حل مشكلاتها المالية عن طريق الأسهم التي تمتلكها، ففي حال وجود عجز في الموازنة، تعمد الدولة إلى بيع جزءاً من أسهمها إلى القطاع الخاص عن طريق السوق المالي. وإذا كان لديها فائض نقدية عمدت إلى توظيف هذه الفوائض في شراء أسهم. يضاف إلى ذلك أنها تتمكن من المساعدة على حل الأزمات المالية التي تواجهها الشركات المساهمة، كما حدث في أزمة عام 2008 .
كما أن الشركة المساهمة تتمتع باستقلال تام عن الحكومة في كافة قراراتها، تلك القرارات التي يمتلكها مجلس الإدارة دون أي جهة وصائية أعلى. وتمارس الحكومة نفوذها عن طريق أعضاء مجلس الإدارة التي تعينهم بما يتناسب مع ملكيتها من الأسهم.
كما أن تبعية أي شركة للحكومة، أدى إلى خضوعها للنمط الموحد المتبع في الدولة بناء على القوانين والأنظمة الموحدة الناظمة لكافة شركات ومؤسسات القطاع العام. فملاك الشركة يصدر بمرسوم، ويتضمن النظام الداخلي لأي مؤسسة أو شركة وظائف متشابهة، قلما يراعي الظروف الخاصة لكل شركة أو مؤسسة. اما الوظائف فتقسم إلى خمس فئات: الفئة الأولى شهادة جامعية، والثانية ثانوية، والثالثة تعليم أساسي، والرابعة مهنية أما الخامسة فهي لياقة بدنية. وفي ذلك تجاهل للخبرة العملية، ووضع سقوف أمام الأنشطة الإبداعية المتميزة طالما أن الراتب يرتبط بالشهادة التي يحملها الموظف، مهما تكن الوظيفة التي يشغلها. يضاف إلى ذلك ضعف مستوى التدريب المهني في القطاع العام، واعتماد نظام الحوافز على كمية الإنتاج دون أخذ الجودة الشاملة أو الربحية بعين الاعتبار، ولعل ذلك يفسر امتلاء المستودعات بمنتجات مكدسة غير مرغوبة في السوق المحلي ولا تجد طريقها إلى التصدير، وتقيم بتمن التكلفة أو بسعر البيع، وكلا السعرين قد لا يكونان قابلين للتحقق بسبب عدم القدرة على التسويق، هذا ما يدفع شركات الملابس الجاهزة لتلجأ إلى الاستيراد للحصول على أقمشة نسيجية بالرغم من وجود شركات للغزل وأخرى للنسيج في القطاع العام تعتمد على نظام إنتاجي متطور وآلات حديثة لكنها لا تنتج الغزول الرفيعة والأقمشة اللامعة التي تصلح لصناعة الملبوسات الجاهزة، والسبب ضعف مستوى الموارد البشرية وسوء الإدارة. من خلال معدلات تعتبر الشهادة هي الأساس في حساب الراتب في ماضي العامل وحاضره ومستقبله، حتى الشهادة فهي تعتمد على معلومات نظرية تفتقر في كثير من الأحيان إلى الخبرة العملية، التي تكونت أثناء سنين الدراسة من خلال محاضرات أو كتب تدعي الحقيقة المطلقة التي لا تتغير بتغير الظروف، وما على الطالب إلا أن يكررها في الامتحان، فيفتقد القدرة على الحوار أو التجديد أو الإبداع. وإذا علمنا أن نسبة حملة الشهادات الجامعية من بين العاملين في القطاع العام لا تزيد على 7% أما حملة الإعدادية فهم 12% فقط، والحاصلين على الشهادة الإبتدائية أو أقل من ذلك فقد بلغوا 66% بحسب إحصائيات عام 2007 ،أدركنا أن الموارد البشرية من أهم عوامل ضعف إنتاجية العمل في القطاع العام في سورية التي تراجعت إلى 1,62% خلال الفترة الواقعة بين 1996_2003 . ولا تملك الشركة الحكومية خيارات لانتقاء حاجتها من العاملين وفق ظروف تمليها حاجات السوق في ظل نظام العرض والطلب، مما يساعدها على تحسين الإنتاج أو تخفيض التكاليف وتحقيق الأرباح. أما إذا رأت الإدارة أن من مصلحتها تسريح العامل بسبب تراجع الإنتاج ، أو عدم ملائمة العامل لظروف الإنتاج المستجدة أو بسبب عدم تقيده بالتعليمات الصادرة من الإدارة، فإن الإدارة مضطرة لاتباع إجراءات مطولة تجعل عملية التسريح ضرباً من المستحيل.
- البيروقراطية:
إذ لا توجد دولة بدون بيروقراطية، وتعتمد البيروقراطية علاقات هرمية، يمتلك رأس الهرم كافة السلطات، ويتنازل عن بعضها جزئياً عن طريق تفويض صلاحياته إلى مستويات أدنى لرفع كفاءة العمل ، ويقوم المفوض الأول بتفويض بعض صلاحياته إلى مستوى أدنى، وهكذا إلى أن نصل إلى قاعدة الهرم التنظيمي. ويمكن القول بأن النظام البيروقراطي، لا بد منه لمساعدة الدولة على القيام بمهماتها بشكل منظم، مما يساعد السلطات العليا ويجعلها قادرة على فهم وجهات نظر كافة مستويات الهرم التنظيمي قبل اتخاذ القرار. ويعبر عن هذه العلاقات الهرمية في الشركات المساهمة من خلال نظرية الوكالة. هذه النظرية التي تضع حدوداً لتكاليف الوكالة، بما لا يزيد على الإيرادات. بعكس التكاليف الإضافية التي تنتج عن التمادي بطول طريق اتخاذ القرار في الشركات الحكومية وما يقتضيه ذلك من إجراءات معقدة تحتاج إلى موظفين يحتاجون إلى زمن إضافي يكفي لاتخاذ القرارات. وهذا ما يجعل الشركة المساهمة أكثر مرونة من الشركة الحكومية.
إذ أن البيروقراطية التي تلازم الإدارة الحكومية التي تشرف على الشركات الحكومية، تقتضي تدخل العديد من الأشخاص الذين يبدون رأيهم قبل اتخاذ القرار النهائي من قبل المدير العام، الذي قد يعرض الموضوع في اجتماع لجنته الإدارية أو مجلس إدارته، لكن هذا القرار يتحول إلى اقتراح، حيث يرفع إلى المؤسسة التي تدرس القرار من قبل المدير المختص ثم يعرض على المدير العام أو على مجلس إدارة المؤسسة، فقد تتم الموافقة على الاقتراح أو يرفض، وقد يرى مدير المؤسسة أن هذا القرار قد يحمله بعض المسؤولية مستقبلاً، ولذلك يرفع الموضوع إلى السيد الوزير. وهنا يحتاج القرار إلى وقت أطول، وقد يتخذ القرار من قبل الوزير لكنه قد يرفع الموضوع إلى رئيس مجلس الوزراء, الذي قد يكون مسروراً من هذا الإجراء فهو شخصية مهمة وإن البريد يأتي إلى المنزل لكي يوافق أو يرفض وهذا قد يحتاج إلى شهور. إلا أن هذه الإجراءات البيروقراطية الطويلة التي تستهدف أساساً خدمة الإدارة الحكومية وحمايتها من الانحراف تحمل في طياتها مخاطر عديدة أهمها: 1) عدم اتخاذ القرار في الوقت المناسب، إذ أن القرارات الإقتصادية تستوجب السرعة وقد يؤدي التأخير إلى فقدان أهميتها. 2) تسرب الفساد بين ثنايا الأوراق وعبر الغرف المغلقة التي قد تستفيد من الوقت الذي لا بد من مروره لعقد صفقات والاتفاق على الحصص، وقد يوجد سوقاً موازية للفساد مما قد يرفع تكاليف الإنتاج، وقد يشارك المسؤولين الكبار في الغنائم، وقد تضغط عصابات الفساد لاستعجال التوقيع دون أن يفهم المسؤول الكبير طبيعة الصفقة، فهو غير مختص في الأمور الفنية. أي أن الرغبة في التسلط التي يتيحها النمط البيروقراطي قد تكثف من مظاهر جنون العظمة، لدى أشخاص لا يفهمون من الإدارة إلا التسلط. وحين يتواصل مع عصابات الفساد يزداد مركزية ويعمم على مرؤوسيه ألا يتخذوا أي قرار إلا بعد موافقته الشفهية تمهيداً لرفعه وفق المسالك البيروقراطية. ومن المعروف أن الفساد آفة تهدد المجتمع الدولي، كما تؤدي إلى تدمير القرارات الإدارية، وإفساد العلاقات الوظيفية، وتراكم الثروات لدى حفنة من المسؤولين، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وإفلاس شركات القطاع العام، وعجز الموازنة العامة للدولة. 3) غياب الشعور بالمسؤولية، إذ أن رفع القرارات إلى جهات أعلى قد تخرجها من مجال الرقابة التي تقوم بها أجهزة الرقابة الحكومية التابعة لرئيس مجلس الوزراء في سورية، حيث تتبع الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، والجهاز المركزي للرقابة المالية إلى السيد رئيس مجلس الوزراء، وهو الذي يتلقى التقارير الصادرة عنهما. وعلى ذلك فإن توقيع رئيس مجلس الوزراء يمثل حماية من المخاطر المستقبلية لذلك القرار سواء كان رئيس الوزراء مشاركاً في القرار أم مجرد موقع عليه ليس إلا. وهذا يجعل مدير الشركة يبحث عن الحماية في ظل جو من انعدام الثقة وانتشار ثقافة الفساد وميل أجهزة الرقابة الحكومية إلى تصيد أخطاء القائمين على إدارة القطاع العام سواء كانت ناجمة عن حسن نية أو العكس. ولعل أهم أسباب غياب الشعور بالمسؤولية هو سياسة تعيين المدراء العامين التي تعتمد على الولاء السياسي والشخصي في كثير من الأحيان . أما تجديد الثقة في المدير العام فيتم في الشركات المساهمة خلال اجتماع الجمعية العامة للمساهمين الذي يعقد سنوياً، حيث تقدم القوائم المالية بعد تدقيقها من مدقق حسابات مستقل، مبيناً فيها رقم الأرباح الصافية السنوية، وهذا الرقم هو الذي يبرر استمرار المدير العام وباقي أعضاء مجلس الإدارة، كما يبرر مكافئتهم بأسهم مجانية أو بغيرها من المكافئات. أما الشركة الحكومية فتخضع لرقابة الجهاز المركزي للرقابة المالية، التي قد تتأخر سنوات، وعند حدوثها، قد توجد ملاحظات يطلب الجهاز من إدارة الشركة الحكومية تلافيها، وقد يحتاج ذلك إلى سنوات، مما يجعل محاسبة المدير بعيدة عن الموضوعية المتمثلة بالقوائم المالية. أما الأدلة الأخرى التي يحاسب على أساسها مجلس الإدارة ومديرها العام فهي في الغالب تقارير أمنية وولاءات سياسية أو شخصية.
- محاولات التصدي لمعالجة مشكلات القطاع العام:
يمكن القول أن السلطات السياسية، تحسست مشكلة القطاع العام الإقتصادي وحاولت التصدي لحلها، ونبين فيما يلي أهم تلك المحاولات:
آ- لجنة الخمسة والثلاثين:
إذ أصدرت القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي القرار رقم 82 تاريخ 6/2/2000 "حول تأهيل القطاع الصناعي والصناعة في سورية وواقعها ومستلزمات إعادة تأهيلها" وقد اعتمد القرار المذكور مجموعة من الأسس والمبادئ لإدارة القطاع العام الصناعي وهي:- الإدارة الإقتصادية، فصل الإدارة عن الملكية، الإستقلال المالي والإداري للشركات والمؤسسات، إخضاع القطاع العام الصناعي لأحكام قانون التجارة من حيث تحديد سياسات التسعير والاستخدام والأجور، الأخذ بآلية السوق فيما يتعلق بالمنافسة والربح والجودة والسعر، الاستعانة بشركات إدارة داخلية وخارجية، تحديد العلاقة مع وزارة المالية من خلال دفع الضريبة وحصة الدولة من الربح، وزارة الصناعة هي الجهة المشرفة الوحيدة على الشركات والمؤسسات.
وقد تبع ذلك القرار إصدار قرار من رئيس مجلس الوزراء قضى بتشكيل لجنة من 35 عضواً لاقتراح مشروعات القوانين والمراسيم والصيغ التنفيذية اللازمة لتحقيق المبادئ والأسس التي تضمنها القرار رقم 82 السابق. والواقع أن اللجنة أصدرت تقريراً هاماً، في حدود المبادئ التي تضمنها القرار الآنف الذكر، إلا أن ذلك التقرير لم ير النور، بالرغم من الجهود التي بذلت في إعداده. ولعل أهم مخرجات التقرير المذكور هي إلغاء الشركات الحكومية واستبدالها بشركات مساهمة تمتلكها الدولة.
ب – اقتصاد السوق الاجتماعي:
أدى تراجع القطاع العام عن الدور المخطط له حسب الاتجاه الإيديولوجي الذي كان معتمداً، منذ صدور قرارات المؤتمر القومي السادس عام 1963 ثم المؤتمر القومي التاسع عام 1966، إلى التفكير بإعطاء دور أكبر للقطاع الخاص المحلي والعربي والدولي، منذ الحركة التصحيحية عام 1973 ، ولا سيما بعد فشل العديد من مشروعات الخطة الخمسية الرابعة (1975-1980) كمشروعات السكر والورق والأمونيا يوريا، وقد أدى ذلك إلى أزمة اقتصادية أدت إلى رفع أسعار العملات الأجنبية إلى أكثر من عشرة أضعاف. فصدر القرار 186 لعام 1985 القاضي بتشجيع قيام شركات مشتركة في القطاع السياحي ثم أعقب ذلك صدور المرسوم 10 لعام 1986 لإنشاء شركات مشتركة في القطاع الزراعي. وقد أدى النجاح النسبي لتجربة الشركات المشتركة إلى إصدار القانون 10 لعام 1991 الذي سمح بإنشاء شركات مساهمة وغير مساهمة للقطاع الخاص وحده وقدم إعفاءات جمركية وضريبية انعكست إيجاباً على قطاع النقل بشكل خاص. وقد فتح هذا القانون الباب لإنشاء شركات مساهمة، للمرة الأولى منذ قرارات التأميم التي صدرت عام 1965. وقد تلى ذلك قرار المؤتمر القطري لحزب البعث العربي الاشتراكي عام 2005 لتبني اقتصاد السوق الاجتماعي، لكنه لم يعرض تعديلات للأدبيات السياسية السابقة، كما لم توضع تعليمات لشرح كيفية تطبيق اقتصاد السوق. ومع ذلك فإن حكومة ناجي عطري شرعت بتطبيق اقتصاد السوق الاجتماعي، عندما سعرت المحروقات بالسعر العالمي مما رفع تكلفة إنتاج القمح المروي في شرق سورية، وقد أبقت على أسعار القمح أقل من الأسعار العالمية مما أدى إلى مغادرة قرابة مليون فلاح أراضيهم والعودة إلى الحل والترحال في مناطق أخرى. كما طبقت تلك الحكومة اقتصاد السوق مرة أخرى عندما فتحت الأسواق المحلية لاستيراد المنتجات التركية والصينية وأعفتها من الرسوم الجمركية مما أدى إلى إغلاق الكثير من المصانع السورية ليتحول أصحابها إلى تجار يستوردون البضائع جاهزة من الصين أو تركيا. أما العمال فقد انضموا إلى جيش العاطلين عن العمل.
ومع ذلك فإن مثل هذه القرارات لا تعني فشل اقتصاد السوق، بل إن هذا الاقتصاد يمثل ضرورة لا بد منها، لكنها تحتاج إلى مقومات متكاملة وليست ترقيعية، وهي: 1) اعتماد اقتصاد السوق في كافة المجالات وكافة السلع والخدمات، وهذا يقتضي2) إلغاء الأسعار الإدارية أو بعبارة أخرى ترك الأسعار ليحددها قانون العرض والطلب، وإلغاء الرقابة التموينية إلا في الحدود التي لا تتوفر فيها السلع والخدمات بوفرة، إذ أن الرقابة التموينية غير قادرة على إيجاد السلع المفقودة أو إجبار التجار على البيع بخسارة.3) تثبيت أسعار صرف العملات الأجنبية عن طريق وضع سياسة نقدية تعيد للمواطنين ثقتهم بعملتهم الوطنية، وهذا يحتاج إلى إعادة النظر بأسعار الفائدة وتشجيع الإدخار4) إلغاء مركزية الاستثمار وتشجيع رؤوس الأموال المحلية والعربية والدولية ضمن شروط بسيطة وميسرة، وعرض مشروعات جاهزة عن طريق شركات مساهمة يتاح لجميع المواطنين المشاركة فيها.5) الحد من الفساد الإداري.6) إلغاء سياسات الدعم عن طريق تقديم سلع رخيصة يستفيد منها كافة المواطنين مهما كانت مستوياهم الإقتصادية، مما يخلق سوقاً موازية أو اقتصاد ظل يدعم التهريب والتهرب الضريبي والفساد الإداري. 7) الإصلاح الضريبي عن طريق تبني نظام الضريبة على مجمل الدخل، وفرض ضريبة قيمة مضافة على بعض السلع والخدمات، وتقديم مساعدات نقدية للمواطنين التي تقل دخولهم عن الحد الأدنى للمعيشة على أن تجمع كافة أنواع الدخول التي يحصل عليها دافع الضريبة مهما كان نوعها أو مكان الحصول عليها. 8) فصل موازنة الدولة عن موازنة القطاع العام الإقتصادي والميزانية الموحدة لهذا القطاع، مما يجعل موازنة الدولة أكثر فهماً وقابلية للتحليل المالي، كما يمكن من التمييز بين العجز في موازنة الدولة، والعجز الناتج عن خسارة القطاع العام.
ج- التشاركية:
عرف القانون رقم 5 لعام 2015 التشاركية على أنها: "علاقة تعاقدية لمدة محددة ومتفق عليها، بين جهة عامة وشريك من القطاع الخاص، يقوم بتصميم أو إنشاء أو بناء أو تنفيذ أو صيانة أو إعادة تأهيل أو تطوير أو إدارة أو تشغيل مرفق عام أو مشروع لدى الجهة العامة.....إلخ وقد فتح هذا القانون باب التعاون مع القطاع الخاص لحل مشكلات القطاع العام، وفق صيغ تعاقدية مختلفة، إلا أن الطابع البيروقراطي بقي مهيمناً على ذلك القانون، حيث أن المجلس الخاص بالتشاركية يرأسه رئيس مجلس الوزراء أما نائبي رئيس التشاركية، فهما نائبي رئيس مجلس الوزراء.
واللافت في هذا القانون أيضاً هو بقاء تركة القطاع العام الحالية على حالها، مع السماح بتحفيز العاملين بقرار من مجلس التشاركية، مع أن تحديث القطاع العام يحتاج إلى دماء جديدة قادرة على التعامل مع التكنولوجيا المعاصرة، كما أن التخلي عن بعض العاملين الحاليين يصطدم بعقبات قانونية وسياسية كثيرة، حيث أن القطاع العام التابع للإدارة الحكومية يبقى خاضعاً لكافة القوانين والأنظمة والتعليمات التي تفرضها الإدارة البيروقراطية الحكومية.
ومع تقديرنا للجهود التي بذلت، لإعداد هذا القانون إلا أنه يتجاهل الخبرات الدولية المتراكمة، فيما يتعلق بمعالجة مشكلات القطاع العام، الذي يمثل الوعاء المناسب لامتصاص السيولة النقدية الفائضة لدى الحكومة من خلال شراء الأسهم من شركات القطاع الخاص، أما إذا نقصت السيولة ولم تتمكن الموارد الضريبية من تغطية الإنفاق العام، فإن بيع بعض الأسهم التي تمتلكها الحكومة، قد يكفي لسد العجز، دون اللجوء إلى الإقتراض من جهات خارجية، وتحميل الأجيال القادمة عبئ سداد الديون.
كما أن تسعير التشاركية تلقي على عاتق الجهات المسؤولة عن اتخاذ القرار عبئأ ثقيلاً، نظراً لعدم موضوعية التكلفة التاريخية، في كثير من الحالات. ولعل هذا القانون كان متأثراً بعقود تقاسم الإنتاج في صناعة النفط والغاز، مع أن ظروف التنقيب عن النفط والغاز، تختلف عن بقية القطاعات الإقتصادية.
- ضرورة تحول شركات ومؤسسات القطاع العام إلى شركات مساهمة:
يمكن القول أن تحويل شركات ومؤسسات القطاع العام إلى شركات مساهمة هو الخطوة الأولى في طريق ًإصلاح القطاع العام وحل مشكلاته، للأسباب التالية:
آ- تحرير هذا القطاع من البيروقراطية الحكومية، حيث يتولى مجلس إدارة الشركة المساهمة إدارة الشركة، على مسؤوليته دون الخضوع إلى إجراءات البيروقراطية الحكومية. ويحاسب هذا المجلس في الاجتماع السنوي بحسب النتائج التي يمكنه الوصول إليها. بناء على تقرير مدقق الحسابات المستقل.
ب – إن تحول رأس مال الشركة إلى أسهم يمكن مجلس الإدارة من بيع بعض هذه الأسهم بما يتناسب مع حاجات هذه الشركة إلى قاعدة شعبية واسعة من المساهمين، أو إلى شركات متقدمة تكنولوجياً، تشارك في رأس المال والأرباح والإدارة.
ج- يبقى للحكومة دوراً في هذه الشركة من خلال ملكيتها للأسهم، ومن خلال تعيينها لبعض أعضاء مجلس الإدارة بما يلبي حاجات الشركة للإدارة المعاصرة المتخصصة, أما رواتب هؤلاء وغيرهم فتقررها حاجات الشركة غير الخاضعة لمنظومة القوانين والتعليمات المعتمدة في البيروقراطية الحكومية.
د – رأس مال الشركة هو الممول الأساسي لعملياتها، وعلى مجلس الإدارة أن يلجأ إلى الإقتراض من البنوك المحلية أو الدولية بضمان أصول الشركة وأرباحها، دون ضمان الحكومة لديون الشركة.
ه- إن أرباح الشركة ملكاً للشركة وتوزع على أصحابها من حملة الأسهم والحكومة تمتلك كل هذه الأسهم أو جزءاً منها حيث يدفع نصيب الدولة من الربح إلى وزارة المالية.
و- إذا خسرت الشركة، عليها وضع الخطط، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بخلاصها من الخسارة، والتحول إلى الربح وإلا فعلى الإدارة أن تحل الشركة وفق مقتضيات القوانين والأنظمة.
ز- تدفع الشركة الضرائب المستحقة أسوة بغيرها من الشركات المساهمة.
- حدود الخصخصة:
يرى مؤيدو الخصخصة، أن القطاع الخاص أكثر كفاءة من القطاع العام. وهو قادر على تقديم نفس السلع والخدمات للمجتمع، بتكلفة أقل، وبجودة أعلى، ويحقق أرباحاً ويدفع ضرائب للحكومة، تمول الإنفاق العام. وفوق ذلك فإن الخصخصة تمول موازنة الدولة بمبالغ هي أحوج ما تكون إليها عن طريق ثمن الأسهم التي تباع للقطاع الخاص. ومع ذلك فإن الحكم على الخصخصة من الناحية النظرية فقط، قد يؤدي إلى نتائج خاطئة.
وإن مراجعة تجارب الخصخصة في كثير من دول العالم تشير إلى أن الخصخصة الناجحة كانت، جزئية وتدريجية عاماً بعد عام. فقد أدت الخصخصة إلى رفع الأداء المالي في دول منظمة التنمية والتعاون الإقتصادي(OECD) كما في بعض الدول النامية كالمكسيك ومصر. وعلى العكس من ذلك فلم تؤد الخصخصة إلى تحسن الأداء المالي في أوكرانيا ومنغوليا. وقد أجريت دراسة في إيران لدراسة أثر الخصخصة على الأداء المالي للشركات المسجلة في بورصة طهران عن طريق دراسة الربحية قبل الخصخصة وبعدها، من خلال القوائم المالية المنشورة، فكانت النتائج قبل الخصخصة أفضل من بعد الخصخصة. وقد كان أثر الخصخصة سلبياً في بعض الحالات الفريدة في كندا و أوربا. وفي دراسة تناولت 200 منشأة تمت خصخصتها في تشيكيا وهنغاريا وبولندة تحسن الأداء المالي لتلك المنشآت بعد خصخصتها. وفي دراسة أخرى تمت على البنوك في الهند خلال سلسلة زمنية من 1986-2003 دلت النتائج على تحسن أداء البنوك بعد خصخصتها.
على أن التجربة الأكثر سوءاً في مجال الخصخصة ، هي تجربة الإتحاد الروسي، الذي كان الدافع الأساسي لها هو الحصول على المال لتلبية الحاجات الأساسية للمواطنين، والحد من ارتفاع سعر صرف العملات الصعبة، حيث شرع غورباتشوف رئيس الإتحاد السوفييتي ببيع أسهماً من شركات النفط الروسية العملاقة, وبعد تفتت الإتحاد السوفييتي وتسلم يالتسن رئاسة الإتحاد الروسي، أصدر مرسوماً يتيح لكافة المواطنين الروس أن يشتروا أسهماً من القطاع العام بقيمة عشرة آلاف روبل، ويصبح بذلك مساهماً في أحدى الشركات أو المؤسسات الروسية التابعة للقطاع العام. وكان يلتسن ينتظر أن تساهم تلك الأموال التي يدفعها المواطنون الروس ثمناً لتلك الأسهم، في حل الأزمة الخانقة التي تعرضت إليها روسيا في تلك المرحلة. ولما كان المواطن الروسي العادي لا يملك في الأغلب عشرة آلاف روبل، لذلك بادر إلى بيع حقه في شراء تلك الأسهم إلى السماسرة اللذين كانوا يشترون هذا الحق ويبيعونه إلى من يملكون المال من موظفي الدولة الذين حققوا مكاسب كبيرة نتيجة حيازتهم للأسهم، ومن بين هؤلاء غورباتشوف نفسه. كما أن الزمن الذي استغرقته عملية بيع حق شراء الأسهم ثم شراء الأسهم ذاتها، ودفع المبلغ لدى وزارة المالية كان طويلاً نسبياً، مما أدى إلى تآكل قيمة المبلغ المدفوع بسبب التضخم الشديد الي كان يعاني منه الاقتصاد الروسي، في تلك الفترة، مما جعل آمال يلتسن في التخفيف من حدة الأزمة النقدية تتلاشى. ومع ذلك ، ما زالت الخصخصة تعد من الموارد المالية التي ترفد الموازنة الروسية، وتقدر هذه الموارد ب 2-5% من الناتج المحلي سنوياً.
أما التجربة الأكثر نجاحاً فكانت في الصين, حيث أسهمت الخصخصة في رفع معدلات النمو الإقتصادي في الصين، بما يفوق معدلات النمو الأخرى، في دول العالم كافة. ومن أهم الميزات في تجربة الخصخصة في الصين:
- تشجيع الاستثمار الأجنبي المتقدم تكنولوجياً, وخاصة الشركات الأمريكية التي وجدت في الصين سوقاً واسعة بتكاليف إنتاج منخفضة.
- الخصخصة التدريجية.
- الخصخصة الجزئية.
وفي الختام، لا توجد وصفة جاهزة تتعامل مع الخصخصة في كل زمان ومكان، بل إن لكل شركة ظروفها وبيئتها الإقتصادية والإجتماعية، وإن إدارة الشركة المساهمة هي القادرة على تحديد نسبة الخصخصة وأوقات حدوثها وأسعار الأسهم، التي يجب أن تعتمد على إعادة التقييم بالقيمة العادلة منذ تحول الشركة الحكومية إلى شركة مساهمة.
- الحوكمة:
من الصعب على الكثير من الناس أن يستوعب مفهوم التضخم، لكنهم يدركون هذا المفهوم عند قياس نتائجه الإقتصادية والإجتماعية، كارتفاع الأسعار وارتفاع أسعار العملات الصعبة، وزيادة جماهير الفقراء. وكذلك الحوكمة التي ترتبط بالاستثمار، فكلما تزايد عدد الشركات الناشئة، وازداد إقبال المستثمرين على طلب رخص إنشاء شركات جديدة، وازداد الطلب على الأسهم المتداولة، مما يؤدي إلى اتجاه أسعار السوق المالي نحو الارتفاع، وازدادت تدفقات رؤوس الأموال القادمة إلى البلاد، قلنا أن الحوكمة بأحسن أحوالها. والعكس كلما ازدادت معدلات الفساد وانتشر العنف والابتزاز وغاب الاستثمار وقلت فرص العمل كلما كانت الحوكمة ضعيفة.
ويمكن النظر إلى الحوكمة من أدنى إلى أعلى، من الشركة المساهمة التي تمارس فيها قواعد الحوكمة من خلال:
- حقوق المساهمين
- دور حملة الحقائب
- المعاملة المتكافئة للمساهمين
- الإفصاح والشفافية
- مسؤوليات مجلس الإدارة
كما يمكن النظر إلى الحوكمة من أعلى إلى أدنى, من خلال المنظومة القانونية والسياسية والاقتصادية، وهذا ما يجعل الحوكمة قضية حضارية من الدرجة الأولى.
وقد أدت الحوكمة الجيدة إلى دفع عملية الخصخصة ونجاحها ، بعكس المجتمعات المتخلفة التي تعاني من ضعف ثقافة الحوكمة وانخفاض معدلات التنمية الإقتصادية والإجتماعية.
-
الجوال :
+963 988 212212 -
البريد الإلكتروني : econ.sy@gmail.com